أرشيف القسم: ‘احكِ لي’

غلاوي من حصار العراق … الى حصار غزة..!

التقيت بالنائب البريطاني جورج غلاوي خلال حصار العراق مرات عدة، في عمان وبغداد، ودمشق خلال المؤتمر الشعبي الذي عقد هناك لفك الحصار عن العراق، وفي كل لقاءاته كان يدافع عن العرب ويُحمل بلده بريطانيا جريمة وعد بلفور وتقديم فلسطين هدية للصهاينة على طبق من ذهب

يُعد غلاوي رجلا عادلا وشجاعا في دفاعه عن حقوق العرب المسلوبة من قبل الامبرياليين. فلقد وقف بعنفوان مع العراق خلال حصاره الظالم والطويل والمرير، وقف مع صدام حسين وقيادته لانه كان يعرف بان جورج بوش الصغير مخادع وكاذب، ويعرف بانه لا توجد اسلحة دمار شامل بالعراق، ويعرف بأن الهدف من الحصار هو تمهيد الدرب للاحتلال، لذلك دافع عن العراق واعتلى المنابر العربية والعالمية فاضحا بوش وكذبه، وعما يفعله الحصار من مآسٍ بشعب العراق، وقاد قوافل عدة، محملة بأهم مستلزمات الحياة، ومنها قافلة الطفلة المصابة بمرض السرطان مريم، لكن قرار الاحتلال كان اقوى منه، وكان متخذا منذ اعوام من قبل الامبرياليين، فاحتلت امريكا وبريطانيا والصفويون والموساديون والمرتزقة والعملاء قلعة الاسود

واعدموا قائدة وبعض رفاقه واصبحت مرتعا للعابثين وللطامعين، وتوقف غلاوي والمدافعون عن عروبة العراق عن الذهاب الى العراق، لكن عيونهم ظلت معلقة على المقاومة الباسلة، التي انطلقت منذ اليوم الاول للاحتلال وبقي غلاوي يتحدث كلما له الفرصة، عن المؤامرة الامبريالية على العراق، ويفضح بوش وبلير ومن تعاون معهما علما بان اغلبية المسؤولين العرب حاصروا العراق مع امريكا ووقفوا مكتوفي الايدي امام العدوان الغاشم عليه ولم يشجبوا على الاقل احتلاله وكأن العراق يقع في جزر واق الواق.. حصار غزة يذكرنا بحصار العراق، ففي نهاية عام 2008، كانت جريمة الحرب التي اقترفها الصهانية بدعم امريكي عسكري واعلامي وسياسي بحق اهلنا في غزة، واحرقوا خلالها الاخضر واليابس، وامطروا غزة واهلها بزخات كثيفة من الاسلحة المحرم استعمالها دوليا وهدموا واحرقوا وقتلوا وشوهوا الالاف من الابرياء، فاذا بالبريطاني الشجاع جورج غلاوي يهب لنجدة اهل غزة المنكوبين والمحاصرين عربيا ودوليا وصهيونيا، ويقود قافلة شريان الحياة «1» ثم شريان الحياة «2» ثم شريان الحياة «3» عله بذلك يساهم في مساعدة اهل غزة ويبدأ بكسر الحصار الظالم الواقع عليهم من كل الجهات..

وينطلق غالاوي من العاصمة البريطانية قائدا لقافلة شريان الحياة المكونة من «220» شاحنة محملة بالمساعدات ناهيك عن الاف الرفاق ويمضي «غالاوي» ورفاقه ايام العيدين الميلاد ورأس السنة على الطرقات، ويمضي في اصراره على كسر الحصار عن اهل غزة مهما جابه وجابه افراد القافلة من عقبات ونتساءل اهل من قوافل شرايين حياة عربية بعد قافلة شريان الحياة «3» وهل من قوافل لكسر الحصار عن غزة يقودها نواب واثرياء ومسؤولون عرب..؟ ام ان العرب اصبحت وظيفتهم تقطيع شرايين بعضهم، ومحاربة بعضهم.. وحصار بعضهم كي يتغول الصهانية والامريكان والصفويون على ارضنا العربية اكثر ام انهم اي العرب بنتظرون حتى تحتل غزة..

نوال عباسي

11
Jan

شال الغريـبة

   بواسطة: رئيفة

شال الغريـبة


كانتْ تنظرُ إلى أفقٍ بعيد ، بنظراتٍ حائرةٍ غريبة ، تحاولُ ترتيبَ حياتِـها المبعثرةِ التي تدورُ كأوراقِ الشجرِ أمامَها ،يلعبُ بها الهواءُ فيحملُها، يقلّبُها ثم يرميها، ليعاودَ الكرّةَ كأنّه يلهو ، أما قدرُها فلا يعبثُ أبداً ، كلُ شيءٍ عندَهُ محكمْ ، ولا يأتي مصادفة

استندتْ والضيقُ يملأُ رئتيها ، أرختْ أصابعَها المتشنجةَ على قطعةِ الخبزِ ثمَّ عاودتْ لفَّها بالغلافِ الرقيقِ من غيرِ تفكير ، ورمتْها على المقعدِ ، هذا الكرسيِّ الذي تلجأُ إليه عادةً عندما تريدُ الفرارَ من أعبائِها وعملِها .

تجلسُ عليه وتنظرُ إلى الحديقةِ من حولَها ، تصيخُ السَّمعَ إلى الكائناتِ الساكنةِ فيها خريرُ الماءِ المنسلِّ عبرَ القنواتِ الرخاميةِ ، كأنـَّه يجمعُ بعضَهُ ، حاثاً النقاطَ على السيرِ لتتصلَ بأقرانِـها ، وتجتمعَ معهم في البحيرةِ الزرقاءِ المخضرةِ ، فيعلو الصخبُ ويستحيلُ الخريرُ هديراً جميلاً ، يأخذُ العقلَ عن إدراكِ ما سواه ، يأسرُ الحواسَ بلغوِهِ وضجيجِه ، عندها ترتاحُ هي ويسري في جسدِها ذاكَ الشعورُ الغريبُ من الهدوءِ والنعاسِ والاطمئنانِ .

تأهبُّ رَوحِها ، يؤثّرُ على حياتِـها وطريقةِ عملِها وتفكيرِها وحتى طعامِها، لهذا غالباً ما تلوذُ بكرسيِّها الملجأ وقتما تستطيع، فتسترخي بصمت .

تلكَ الإضاءاتُ الغادرةُ المفاجئةُ ، كانت تقتحمُ عقلَها بصورٍ منتشلةً إياها من ركودِها وخاصةً عينا تلك المرأة ، ما تزالُ تلاحقُها وتحاصرُها ، كلّما دققتِ النظرَ فيهما رأت نفسَها ، كيف يعقلُ أن يمضيَ بها العمرُ وهي لا تعلم ، وجدّتـُها الحبيبةُ التي هي كلُّ من تملكُ في هذه الدنيا لم تخبرْها بشيءٍ ؟! .

مشاعرُ الحُنقِ والحبِّ كانت تصطرعُ داخلَها ، وفي ذلكَ اليومِ خرجتْ من عملِـها مسرعةً ، وتوجهتْ نحوَ الحديقةِ ، ففترةُ الاستراحةِ ساعةٌ ، واعتادتْ أن تتناولَ فيها غداءَها الخفيف ، والكلُّ يعلمُ أنـّها تغلقُ هاتفَها ، وتستمتعُ بالسكونِ .

كانتْ تشاهدُ السيدَ مارتن وهو يقلمُّ الحديقةَ ، ويلّمُ الأوراقَ المتساقطةَ على الأرض ليجمعَها فوقَ العشبِ في أكوامٍ خريفيةٍ ، وحينما انتهى وقت الاستراحةِ ، خرجتْ مسرعةً من الباب ، وإذا بتلكَ العينان تستوقفانَـها .

أدركتْ أنَّ الأمرَ جللٌ وخطيرُ ، لأنَّ صاحبتَهما حملتْ في بحر حدقتيها أعاصيَر وأهوالاً وأحزاناً تكفي لإغراقها .

أمسكتْـها المرأةُ من يدِها وسألتْها بلهفةٍ متوجسة : أنت ناديا طبعاً ؟! فأومأتْ وهي مستسلمةٌ للحذرِ والاستغرابِ ، نعم أنا ناديا ، ولكن عذراً من أنتِ ؟ ، كان هذا ما قالَتْه فقط ، أما عقلُها فبحثَ عن أجوبةٍ لعشراتِ الأسئلة ، ماذا تريد ؟ وكيف عرفتْ أنني هنا ؟ هي تشبهُ شخصاً أعرفُهُ جيداً ، وأراه باستمرار، ياترى من هي ؟!

هل لي يا صغيرتي ببضعِ دقائقَ معكِ ؟ تمنَّتْ لو قالت نعم ، ولكنَّ وقتَ الاستراحةِ مضى ، والعملُ في هذهِ البلادِ لا مزاحَ فيه ، أجابت : الآن مستحيل ، ولكنْ في الساعةِ الخامسةِ أستطيعُ ملاقاتِكِ هنا ، فوجئتْ من ردَّةِ فعلِ المرأةِ التي نظرتْ إليها وكأنها تحتويها ، وتبتلِعُ تفاصيلَها ، وقالتْ بصبرٍ يكادُ يختنق :كما تشائينَ ، سأنتظركِ هنا قربَ السياج .

كم تتمنى لو لم تلاقِـها يومها ، لكانَ الهدوءُ ما يزالُ رفيقَها ، ولكنه غادرَ منذ غادرتْ مكتبَها واتجهتْ نحو الغريبة ، حيث ألفَتْها منتظرةً ، تشدُّ على جسدِها ذاكَ الشالَ الغريب ، لم ترَ مثلَهُ قبلاً ، ولكن ليسَ المهمُّ ما ارتدتْهُ السيدةُ بل ما تفوهتْ به ماذا قلتِ ؟ ماذا تقصدينَ بكونِك عمتي ؟ كيفَ تجرؤينَ على مواعدتي هنا واختلاقِ الأكاذيبِ ؟ ومن أين لكِ معرفَةُ والدي ؟ لقد توفي منذ زمنٍ بعيدٍ ، وكيفَ عرفتِ اسمي ، ومن …؟ وصمتتْ فجأةً لأنَّ ندى العيونِ كان قوياً وصادقاً .

سكتتْ بُرهةً ، ثم استأنفتْ قائلةً : عفواً ، سنبدأُ من جديدٍ علَّها تكونُ بدايةً أفضلَ والدتي أخبرتني أنَّ والدي توفيَ منذُ زمنٍ بعيدٍ ، وليس له أقاربُ أبداً ، لأنهم ماتوا جميعاً في فرنسا قبلَ أنْ يأتيَ إلى أمريكا ويلتقيَ بها ، ويتزوجَها لأكونَ الوحيدةَ ثمرةَ هذا الحبِ القصيرِ العميقِ ، لكني اليومَ أُفاجأُ بأنَّ لأبي أخواتٍ ، وبإدعائِكِ قرابتي ! أرجوكِ هلا شرحتِ لي ؟! ولماذا لا تجيدينَ الإنكليزيةَ جيداً ولا حتى الفرنسية ؟ و لكِ لكنةٌ وهيئةٌ غريبة ، لو سمحتِ ليس لدي وقتٌ كبيرٌ أقضيَهُ معكِ .

ولكنَّ السيدةَ قاطعتْها بحركةٍ يائسةٍ من يديها فيها حزمٌ وكياسةٌ قائلةً : كنتُ أحلُُمُ بلقائِكِ ، وحضّرتُ لهذا المشهدِ في ذهني حواراتٍ طويلةً عدّة ، لكن أيّاً منها لم يكن فيه عاملُ الوقتِ له أهمية ، الوقتِ الذي تضربينَ به خيالاتي وسعادتي برؤيتك ، لقد كنتُ أعلمُ أنَّ بضعاً منا في الغربة ، فتشتُ وبحثتُ وتعبتُ وادخرتُ وعانيتُ حتى أصلَ لهذا المكان ، فلا تخبريني عن الوقتِ الذي تذوقتُهُ جيداً يا صغيرتي .

حركتْ رأسَها بأسى ، وهي ترمُقُ طيراً يرفرفُ بين الشجر ، يبحثُ عن مبتغاه ، وهي ما تزالُ جالسةً على كرسيها ، لماذا كان على هذه العَمَّةِ الآتيةِ على سحبِ الضبابِ أن تختزنَ السنين ، وتأتي في هذا الوقتِ بالذات ، الوقتِ الذي توقفتْ فيه عن الشوقِ إلى أبيها ، ولمعرفةِ مَنْ هو ؟ !

لقد أصبحتْ سيدةَ أعمالٍ يحسَبُ لها حسابٌ ، واستقرتْ في منزلٍ هو حلُمُها مذْ كانت صغيرةً ، فيه كلُّ ما يودُّ المرءُ مشاهدتَهُ أو استخدامَهُ ، ثم إنها مخطوبةٌ لراؤول وموعدُ الزفافِ قريبٌ ، وقد أخبرتهُ عن حياتِها ، ماذا سيظنُ الآن ؟

إنه محامٍ مرموقٌ ، وعضوٌ في المجلسِ البلدي وهيئةِ المحلفين ، ويطمحُ أن يكونَ الحاكمَ بعد أن يرشحَهُ حزبُهُ لمجلسِ الشيوخ ، وقد عاهدتْهُ على مساندتِه والوقوفِ إلى جانبهِ في حياتِهِ المشرقةِ دونَ غموضٍ .

منذُ مدةٍ كانت عندَهُ في المنزلِ ، تسمعُ تعليقاتِهِ حولَ موكليه ، وأخبارَ الساعةِ التي تتناولُ أكثرَ مواضيعِ أمريكا إثارةً ، وعن إسرائيلَ والمجازرِ التي ترتكبها حماسُ في حقِ أطفالها ، والشأنَ العامَّ العالميَّ ، وأوضاعَ الاقتصاد وأمورَهُ المالية ، مداخلاتُها معه كانت مقتضبةً ، وهي نفسُها بعيدةٌ قليلةُ الحماسة ، متوترةٌ وغامضةٌ كما سماها ، ولكن ساحرةٌ كما أضافَ قائلاً بحبٍ واعتزاز ، المهمُّ أنَّها لم تستطع أن تخبرَهُ عن عمتها الآتيةِ من المجهولِ ، لم ترد إفسادَ الأمرِ بيديها ، كان التريثُ هو سمت تفكيرها ، ماذا تقصُدُ هذه السيدة ؟ ماذا تريد تلك القادمة من هناك ؟ ! مالت برأسها إلى الخلف وهي تستعيد كلماتِها .

اسمي دلال ، ناديني أمَّ ياسين ، أخي ذهب إلى فرنسا بمنحة ، تعرف بوالدتِكِ في لندن وتزوجا ليحصلَ على الإقامة ويستقرَ معها في نيويورك ،ثم انتقل إلى الغرب ففرص العمل أفضل ، اختلف مع زوجه على عدة أمور حول السياسة والدين ، سافر عائداً إلى فرنسا وعلم بأنها حامل بالصدفة من صديق مشترك ، حاول أن يراها ولكنه فشل لقد هربت بك وغيرت عنوانَها واسمَها ولم يعرف حتى هوية الجنين ، مرضَ وتوفيَ. كان عليَّ أن أبحثَ عنك ، وكان قدري أن أجدَكِ ، ولولا صديقٌ مقربٌ عظيمٌ ما استطعتُ العثورَ عليك ، ولطالت رحلةُ البحثِ عن ابنةِ أخي ، تلك المعاناةُ التي امتدتْ إلى تسعِ سنوات ، كانت عذاباً بما تحتويه هذه الكلمة في حروفها من معنى .

أمسكت رأسها بيديها الصغيرتين ، غيرَ عابئةٍ بمارتن وهو ينظرُ قلقاً ، تريدُ أن تمنعَ دماغها من تذكرِ ثورةِ غضبها ، وكيف أنها عادت إلى جدّتها ، كانت جالسةً تشربُ الحليبَ والشاي ، انفجرتْ بوجهها ، وقلبتْ المنزلَ والأثاثْ ، وأطاحتْ بصورِ والدتها والشرائطِ السوداءِ المعقودةِ على الإطار ، كانت تصرخ فقط وجدتُها تكتفي بالبكاء .

ولا تتذكرْ حتى كيف نامتْ ، ولا كيف قضتِ الأيامَ التي تلت انهيارِها ، ما تذكرُهُ بشدةٍ هي الحربُ الباردةُ التي نشبت بينها وبين عيني جدتِها المتواريتين بخجل .

حتى عندما أعدت حقيبتها للسفر ، لم تجرؤ الأخيرة على سؤالها عن وجهةِ المقصد

كلَّ ما تتذكرُهُ بوضوحٍ هو إعلانُ المضيفةِ عن الوصولِ إلى دمشق ، وخروجُها من المطار برفقة دلال ، وعددٌ من الناسِ الذين يشبهونَ دلال ، يستقبلونَها بحفاوةٍ وحبٍّ عجيبينِ بعيدينِ كلِّ البُعدِ عن طقسِ بلادها .

كانت في السيارةِ ، ترى المارةَ ، والمحلاتِ ، والزحمةَ ، وخنقةُ الهواءِ تلفحُ وجهها وقلبَها ، وتُحِسُّ بالدموعِ تحرقُ عينيها الزرقاوتين ، وخصلاتِ شعرِها البني تهـتـزُ على جبينها العريضِ الناصع ، كما تهـتـزُ جميعُ الثوابتِ في حياتها أمام عينها ، سألت دلال : ماهذا المكان ؟ فأجابت : إنه شارع الثلاثين في مخيم فلسطين ، ( أيعقل أن تكون فعلاً في أحدِ مخيماتِ الإرهابيين الهمج؟ ) ، هنا نقطن منذُ وصلنا من درعا وهي مدينةٌ تقعُ جنوبي دمشق ، قريبةٌ من الجولان ، أصلُنا من صفد ، ولنا فيها بيتٌ جميلٌ كان لجـدِنا عبد العزيز ، قبل أن يصبحَ ضمنَ مستوطنةٍ يحتلها اليهودُ ، شردتْ ( بل يهوديٌّ مناضلٌ كأصدقاء راؤول المقربين الذين تراهم عنده دائماً ) .

جلست في غرفة دلال وأمسكتْ بإطارِ صورةٍ قديمة بالأبيضِ والأسود ، وجاءَها صوتُ العمة إِنه جدُك وأنا ، وعمُكِ هنية ، و خالد ، هل هذا أبي ؟ نعم إنهُ خالد وهنا أيضاً صورةٌ أخرى له ، صعقتْ ، إنها لم ترهُ من قبل ، نعم والدها ، إنها تشبِهُه وتشبِه دلال ، وتشبِه جارتَهم ، يديها كيدي عمِها إلاّ أن أنفَها وذقنَها كأمِها ، هل هم أهلُها حقاً ؟ ، أي جنونٍ قادها إلى دمشق !

كانتْ الأيامُ التاليةُ كالدوامةِ ، وهي القشةُ الغارقةُ فيها ، كانت تبكي من كلِّ قلبِها وتضحكُ كما لم تفعل في حياتها من قبل .

هنا اختبرتْ الحدودَ في مشاعرِها وتجاوزتها ، مع هؤلاء البشر أحستْ بالحياةِ الحقيقيةِ لا تعلمُ ما ذنبُها حتى تجتث من أحضانِ الحنان ، لتُرمى في صقيع الوحدة ، يبدو أن قدرها أمعن في تغريبها ، غربةٌ فوق غربة ،حتى يكتمل برجُ سجنِها ، في قضاء دبرتْه السامية وأمها ، وعجزُ رجلٍ فلسطيني عن الوصولِ إلى ابنته ، أوحلِّ قضيته ، قبلَ أن يحينَ الأجل .

وهي هنا في الحياةِ ،بشكلٍ أو بآخرَ ، ما تزال موجودةً ، ولم يئنِ بعدُ وقتُ الرحيلِ .

عادتْ إلى عملِها ، والكلامُ يصمتُ أمام عيني خطيبها ، والعقلُ يرفضُ الاستراحة ووحدَها البحيرةُ ، وهديرُ الماءِ المنسلِّ إليها عبْرَ القنواتِ الرخاميةِ يريحها ، وكرسيها الملجأ ، تحسُّ وكأنه يصرخُ فيها ، ويعيد إليها عيني دلال ، وابتسامةَ خالد ، والشالَ المطرزَ بالأسودِ والأحمرِ والأخضر ، يلّوحُ لها دائماً ، مذكراً إياها بالحبِّ ، ومخبراً عن ملايين القصصِ ومئاتِ الصور .

يداها ما تزالان متشنجتين ، وعيناها على قطعة الخبز الملفوفة ، التي رمتها إلى جانبها ولم تعد تستطيعُ الجلوس ، خرجت من الحديقةِ مسرعةً ، ونسيتْ خلفها غداءَها ملقى على المقعد ، مع جريدتِها وحقيبةً ملأى بكلِّ شيء ، إلاّ من هاتِفِها الذي حملته وكأنه كنـزُها ، كانت تركضُ وتصيحُ عبرَه ، ومن عينيها تتراكض الدموع تغسلُ عن نفسِها الأسى وتحملُ العزمَ والحبَّ .

( دلال حبيبتي ، انتظري ، أنا قادمة ).

عليا عبد الرحمن حباب

9
Jan

الخادم

   بواسطة: رئيفة

الخادم


ربما أستطيع الراحة الآن ، عشر دقائق لاأكثر هذا كل ماأطمح إليه ، دقائق أسرقُها من ذهنها باعتلال ذاكرة أو فراغ نسيان ، ثم سأعود إلى الذاكرة نعم فهي لن تقدر أن تهملني.

عندما ارتدت ذلك القميص الشفاف البارحة، وانتعلت الخفّ، ظهرت تجاعيد رقبتها جليّة واضحة ،وكذا الترهل في ساعديها ، وحتى أظافر قدميها ،شفت من تحت الطلاء خطوط العمر وتجعد المساحة ، كان حرياً بها أن لاتفعل ، وأن تنتقي مايناسبها ، لوأنني ارتديت قميصها ، لظهر جمال ساعدي، ومشقة رقبتي، التي أخفيها تحت الخمار، وأخفي معها نداوة العمر، فمازلت غضة لست مثلها ولكن كل هذا لايهم، أمام ماحدث من حوار غريب مع زوجها، لقد رمته بنظرات وهو يتابع حديثه ، لم يرها ولوأنه فعل ، لعلم أنها لاتحبه .

لاتنظر المرأة إلى فارسها كتلك التي رمقته بها ، وجوابها كان لاذعاً غريباً بارداً ينطوي على نرجسية لم يلاحظها حتى الآن وهذا الأغرب ، لأنه شخص شفاف ومعطاء، غريب أن يجهل لغة الجسد … آه الجسد نعم لو أنه يعيرني شيئاً من الاهتمام، لكان رأى أنني كالنهرفي أول انبعاثه من الأرض، يخرج قوياً هادراً يجتاح ماأمامه، أما هي فقد وصلت إلى مرحلة الاسترخاء والترسيب ، واستراحت المساحات عندها في كل شئ ، في جسدها وغرورها وإهمالها وسرعة فكرها حتى أنني أحس للحظات أن معالج الدماغ عندها قد تعطل أو…

ياويلي لوتسمع عقلي، لصار مايفوق الاعصار الذي يهدد شواطئ العالم الآمنة .

أشكرك ربي على نعمة صمت الأفكار ، فلو أن لها صوتاً لدخلنا في المتاهات التي يتراكض فيها الناس ذعراً وخوفاً من شبح العُري..

العُري هذا الذي تمتلكه روحها ، هي أشبه براقصة تعري بعد خدمة خمس وعشرين سنةً في المهنة ، تصبح الراقصة معروفة بل مدركة ومفهومه بكل التفاصيل ، لايكاد يغيب عن طلابها أي جزء بل تم درسها على الآخر .

نعم آخر ماطلبته مني منذ فترة كان غريباً ، وبعيداً عن الذكاء بآن، تريدني أن أجالس زوجها ريثما تحادث جاراتها وصديقاتها المقربات، عن السخف في عالم الموضة و عن المجتمع المخمليّ من طلاق وزواج وفضائح ،وكأن فترات عمله التي يغيب فيها عن المنزل لاتكفيها ،وأخبار فلانة من الناس أهم من ذاك القابع معها والذي وكلته للأمور الاقتصادية والحاجات الضرورية الأخرى فقط .

فقط لو كنت أنا هي،لرآني وعموماً من التي تدير منزله حسب رأيه هي؟ ! أبداً بل بتواضع أنا ، فنهاري الذي يبدأ غالباً بقهوته والجريدة والفطور ومن ثم إعداد أغراض حمامه وانتقاء ثيابه ومستلزماته على دقتها ، فهو رجل منظم ، حتى ساعته ومفاتحه وجهاز الهاتف خاصة ، وعطره اذا ما أراد تغيره حتى مكالماته المهمة أسجلها ، وعندما يخرج من المنزل يبدأ عملي الجاد من تنظيف وتلميع وترتيب وطهو حسب لائحة أختارها بنفسي ، وأبعث من يشتريها وأحاسب بدقة لأتوخى الغبن أو السهو ، ثم أكمل ترتيب الغرف للأولاد وتنسيق أمورهم التي تبدأ من الدراسة حتى مواعيد حفلاتهم وثيابهم ومشاكلهم الحميمة ، وأدق خصوصياتهم وبعد انتهاء الغداءووقت القيلولة ،أتفرغ للترتيب، وغالباً ما تكون فترة بعد الظهر سكوناً أعدّ فيه الشاي والحلويات، وأنتظر طلباتها التي لاتنتهي ولن تنتهي .

هذا إذا خلا اليوم من الزوار ، زوارها وهواتفها وأوامرها،حتى أنها لتسألني أحياناً أن أغسل شعرها وأنسقه ، وفترة المساء فيها خدمات ودخان نارجيلات، وجمر يتطاير شرره، وخمر وتنظيف، وحديث وضجيج وعشاء، إما رسمياً أو مقتصراً على العائلة ولا أشعر إلا والساعة تدق الثانية عشرة فيوقظني انتصاف الليل على حقيقة إنهاكي، وأنني لست كسندريلا لم أكن مع الأمير، بل فقط بين القدور والفحم الذي يحرق أحلامي الكفيفة التي لن ترَ الشمس والنور يومياً.

وحتى هدأة الليل لاأستطيع أن أسرق منها السكون، بل تأخذ أوقات الدواء من دقائقي، ناهيك عن صراخٍ قد يوقظني إذا ماخرجت هامة من بيتها ،أوعطش أحدهم أو ارتأى أن يملأ بطنه إذ وجد فيه مكاناً خالياً ولو ضئيلاً ، وعند الفجر يكون نسيمه أرق روحي، حيث أسرح عبر نافذة الرواق الذي يشرف على جُعلي، وأبحر مع تموجات النسيم العليل أو الهواء أو المطر، أو أي شئ يتحرك خارجه من مظاهر تقلبات الفصول، ولفصول حياتي الرتابة نفسها، لاتريد تغيير شكلها ، إنها هي ذاتها، منذ وطأت قدماي هذا المنزل الكبير، المليء بالتعب والانهاك.

نعم الانهاك هذا هو وصف حالي ،فأنا منهكة من الداخل والخارج، وكل شئ على عاتقي ، وهي منهكة من الفراغ والصخب ، صخب النميمة والمكائد والتلهي والسكون المميت بلا حركة، ولاحتى مجرد القدرة على محاولة الابتعاث .

أتمنى لو أقدر بوصفة سحرية على أن أستبدل الأماكن ، لوأتجرد عن وضعي وألتحق بالنوركالفراش، ماذا تعنيه هي ؟ ، ماذا تقدم ؟ هل ينال المرء التقدير لأنه وبفعل القدر والظروف ، قد لبس رداءً ليس له، واستعار وجهاً ألصقه بغباء على نفسه وقت الحاجة؟!.

الحاجة التي خلقت منها ومني ماانتهى إليه الحال ، وأنا وإن استطعت العطاء وأجدت التقديم ، سأظل أراوح مكاني كأمواج البحر ترتطم بالشاطئ، فترسب عنده محتواها، وتحتُّ الحاجز أمامها لتحمل الفتات مرة أخرى في جوفها وبامتدادي وانحساري أنا لاشئ ،مجرد زبد يذهب جُفاء .

إن جُفاءَ واقعي هو الذي يجعل عبء روحي أكبر من ذي قبل ،وحلمي كلما هبّ يوم ،أضحى أصغر مما مضى، وينذر بالتلاشي والعدم ، حتى أنه أضحت أعلى تطلعاتي، أن أختلس من الوجود وساعاته عشر دقائق فقط ، قد تهملني فيها وهي لم ترد، بل جاء ذاك الفراغ والنسيان عن غير قصد منها، أي صدفة .

أية صدفة هي التي ساقت حظّي، أم أنه القضاء والقدر ، لاأعرف أن أصوغ أطواق النجاة من هذه الأحجية الأزلية العجيبة .

غالباً ما أحاول أن … ياإلهي إنه ذاك الشبح الرمادي، يعود من جديد، صوتها لابد لي أن أُجيب ، ها أنا ذا قد أتيت سيدتي ، أيّةُ خدمة ؟ . . .

عليا عبد الرحمن حبّاب

7
Jan

أعمى بثلاث عيون

   بواسطة: رئيفة

أعمى بثلاث عيون

من الطبيعي امتلاك الإنسان لعينين في رأسه ،ولكن أن يكون له عين ثالثة فهذا امتياز من دون شك ، وقد حظيتُ بهذا الإمتياز أو الزيادة ، فكنت أحمل عيني الثالثة على كتفي وأجوب بها لأمضي في مرادي ، والمعضلة أن هذه العين الثالثة باتت محطّ الرؤية ،وكأنني لاأبصر إلاّ بها ، كانت تحدد لي الهدف وتنبهني إلى بؤرة الحدث ، وتظهر لي ما أريد، من دونها قد أرى الأشياء مغايرة ولكنها تبيّن لي الحقيقة ، كانت حبيبتي ورفيقتي وبصيرتي.

سافرت معها إلى مدن عدة ، ثم تطور الأمر فوصلت معها إلى دول أخرى مختلفة ، جُبنا معاً مطارح كثيرة ، وأكثر ماكان يشدني ، هو فن العمارة أحس وأنا أدقق الأماكن بعيني الثالثة ، الصادقة الفاحصة ، التي تسجّل بأمانة وحياد أنني قد دخلت إلى الروح البشرية ، وأتخيل من طريقة البناء والهندسة الفنية مشاهد عدة ، وحوارات نفسية قوية ،وأسمع موسيقا الأيدي المبدعة ، تتهادى في تناغم رخيم ، لتصوغ سقفاً ما أوتمثالاً يكاد يكلمني محدّثاً عن رؤيته وهو يعاصر الأزمنة بصمت .

لم تقتصر مشاهداتي على المظاهر البشرية من بناء ومعارض ، بل تعدت هذا إلى الطبيعة حيث كانت في بعض بقاع العالم ، تأسرني وتتركني في حيرة أمام إبداع الإله وحقيقته في خلقه ،التي تدل بوضوح على وجوده وعظمته.

هكذا كانت أيامي تمضي ، طيراً حراً ألتقط الجمال وأتذوقه برفاهية مترفة رغم أن أوروبة هي موطني ، إلاّ أن العالم كان بالنسبة لي ، يعدّ ملكية غريبة فلي الحق بأي حجر فيه ، وبجميع أركانه .

هناك كثيرون مثلي، ولكن اهتماماتنا كانت مختلفة ، منهم من يعنيه الحدث وآخرون البيئة ، بعضهم يتتبع التطور والأمور العلمية ، هناك من يهمة الآثار وباطن الأرض، تتراوح في مابيننا الأهواء ، وما يجمعنا هو الرؤية .

كنت أمتلك أرشيفاً رائعاً ، أسرتُ فيه جميع مشاهداتي القيّمة ،كان معرضاً فنياً حقيقياً يعدل روحي ، وأحرص على إغنائه دائماً ، لهذا يستفزني المكان فأطير إليه مهما بعدت المسافة، كنت في مكتب أحد زملائي المحببين إليّ، وكان من عشاق الحدث ، كنت أراه وهو دائم الانزعاج ، غريب طبعه ، يبحث عن الصدع والشقّ ليضع أُصبعه فيه ويصرخ ، هكذا كنت أراه ،مجرد غريب سألني وعينيه ترتجي الإجابة : ( أرجوك اذهب عوضاً عني ، افعل الأمر كخدمة لي ، ولك ما تريد ، أمي تحتضر ولايمكنني السفر ، ليس هناك أحد أفضل منك ، تمتلك بصيرة رائعة ، هلاّ سافرت ، أُناشدك القبول ؟ ! ) .

ولم أدري كيف قبلت ! ، فنوعية التغطية لاتستهويني ولا تروقني ، ومع ذلك وجدت نفسي على متن الطائرة التي حملتني إلى تلك الشاحنة الصغيرة ، والتي بدورها رمتني وعيني على كتفي عند ذلك المعبر ، تفرست في وجوه الأشخاص من حولي ، عيني دائماً لاتكذب ، أرتنيهم بشكل واضح ، كان الحزن يعصر الوجوه ، بشكل رمادي يعادل دماراً غريباً ،أذكر أنني رأيته في بقايا أعاصير مدونة بقوة في ذاكرتي .

ماهذا المكان ؟! جال بعينه متفحصاً ، المئات يتحركون أمامه ، ومايجمعهم تلك النظرة الغريبة، من هؤلاء الأشخاص ؟!، لم يصادف أن أبصرَ مثلهم في رحلاته ، ولارأى من يشبههم ولو في جمادات التماثيل التي سجلّها ، أو اللوحات التي علقت على جدران المعابد والكنائس والمتاحف.

تخطى الناس وهو متفحصاً لهم وللمكان ، وإذ به بزملاء مهنة مثله ، اقترب منهم وبادرهم من باب التعارف ، حتى يعلم ماذا سيفعل ؟! وكيف سيخطّ جدول تحركه ؟!. وماهي إلاّ ساعات حتى كان في الداخل ، وببساطة كان شبه مشدوه . كأنه تحول لتمثال متحرك ، يخترق بالسيارة ، تلك الشوارع وعينه تكاد لاتصدق ماترى !.

أين دخل ؟! ماهذه الأحياء ؟! ، هل هو على نفس الكوكب؟!.

كان قد رأى في حياته مشاهداً كثيرةً ، وصوراً عديدةً ، لكنها لاتشبه هذا الواقع ، دخلت السيارة حيّاً غريباً ، متفرعاً متداخلاً ، وأقسم بينه وبين نفسه أنه لايعرف الخروج منه لوحده إلاّ بخارطة.

وترجل منها أمام أحد المنازل ، وضع عينه التي اعتاد الرؤية بها ، وأخذ يسجل مايرى ، الباب يشبه أي شئ إلاّ باب المنازل ، والمنزل هو أي شئ إلاّ مسمى المنزل ، إنه مختصر بغرفة واحدة واسعة ،قسم منها مغطى بالفُرُش والملاءات المهترئة ، وخزانة كبيرة مضعضعة تسد الحائط الأول ، ونافذة كبيرة تطل على المنازل المقابلة ،تتوسط الحائط الثاني ، وسجادة بلا خيوط متآكلة خشنة البلاط أشد نعومة منها ، وبعض الاسفنج والوسائد يشكل على الحائط الثالث أريكة طويلة أرضية ، كراسٍ خشبية متداعية، وأجساد تجلس عليها ، أكثر تداعياً ولكنها تبدي التماسك.

ركضتْ منه الدقائق تتبعها الساعات ، وما شعر بها، كان الحديث يأخذه من زمن إلى آخر، ومن معاناة إلى معاناة أقسى ، واختصر الشرح ستين شتاءً قاسياً عاشوه، يسقط شهداؤهم على الأرض كالياسمين ومازال عبقهم في داخلهم، وكل ما بقي معهم ، وهم يشرحون له ،والدموع تنساب بقهر وألم من العيون ، مجرد مفتاحٍ حديديٍ طويلٍ صدئ ، لبابٍ في ذاكرة مايزال يفتح أملهم بالعودة يوماً.

وجسراًً بين حاضرهم والباب، صنعته أشلاء أجسادٍ وبقايا عيون ،كانت تنظر إلى المستقبل بحب ، وتحمل في دموعها قصة شتاتٍ وغربة .

لم يستطيع النوم ليلتها ، فغارة الحقائق من جهة ،وغارة القصف الغاشم من جهةٍ أخرى تتجاذبه وتمزقه إلى أبعاض ،فكّر مسترسلاً حياتي ومشاهداتي السابقة تكورت في بعضٍ ودفن في غياهب اللامبالاة .

وطموح لمتابعة الحياة كان في البعض الآخر مسيّر في اللامدرك، وخارج دائرة الاهتمام ، وفي البعض الباقي حياة من حولي ومأساة المشاهد الحمراء وغطت على الإدراك والشعور.

حتى الثوابت كانت ترتجف مع كل دويٍّ يصمُّ على أثر قصف ليليٍّ أبله مجنون والمفردات أيضاً توقفتُ أمامها حائراً ، الإنسانية ، الحق ، العدل ، الجريمة المجتمع الدولي ، المنظمات ، العالم ، الحضارات؟!!! مامعنى كل هذه المفردات هنا ؟! ليس لها وجود ولامعنى !، إنها عبث وخيالات.

الحقيقة الوحيدة هنا هي الموت أو البقاء و النضال والمقاومة ،الخبزوالضوء، وما يحزّم هذه الحقيقة هي الإرادة، وفجأة أحسستُ بالكون ينقسم إلى شطرين غير متساويين ،جلّه أبيض باهت باستثناء بؤرة صغيرة بلونيها الأسود والأحمر ، صبغتْ مفاهيمي وقلبي .

عندما أشرقت الشمس فرحتُ لأنها ماتزال حقيقة أراها ، خرجت أحملُ عيني على كتفي ، تاركاً ورائي الكرم بعينه والحب والعطف متجسداً بتلك العائلة أخرجت من جيبي عندما لمحت محلاً ، بضع أوراق مالية ، لأشتري شيئاً أشربه وللمرة الأولى أمعنت النظر بتلك الأوراق ، ماقيمتها ماذا تعني ؟!، ولكن هنا قد تعني حياةً قبل موت ، قد يأتي من طعامٍ أو من دمِ متبرعٍ، يُنقذ قبل فوات الأوان ، كرهت نفسي ، كرهت العالم الأخرس،وكرهت أرشيفي الذي يذكرني بأنني كنت أعمى ، ولكن أبداً لن أظلَّ أعمى ،تذكرت زميلي وسبب قدومي فلم أعد أجده غريباً، بل أنا من كنت غريباً.

تحركت قدماي تسيّرها عيني الزيادة ، شكرت الله أنني هنا ، وأخذت أجوب الحارات ، أركض معهم ، أصرخ لهم ، أسجل لحظات خروج أرواحهم بخشوع ، أجوب المشافي وألتقط الدموع ،وأتمنى لو أرجعها إلى المآقي ، ثم أخرج لأُقبِل على الدُور من جديد ،وألتقط همسات الدعاء عبر حروف الأطفال في صلاة عظيمة لله ، أسجل بعيني سيمفونية القداسة والطهر الملائكي وهي تعرج نحو السماء ، كنت كالذي أبصر النور بعد طول ظلام ، حياتي أمامي باهتةُ المعالم، ووجودي فقد بريقه ، وعيوني الثلاث وحدها تعمل وتذكرت أنني زرت مرةً مدينةً كتب على مدخلها ابتسم فأنت على مشارف كذا ؟…

فجلست على الأرض ،ورأسي منحنٍ، والناس يتراكضون من حولي ، في سباق البقاء المحموم ، قربت وجهي من الأرض ، شممت رائحتها، ثم فكرت نعم إنها تستحق ، إنها تستحق ، بكيت من قلبي ، والدموع تحرق وجهي وتطبع عليه اعتذاري ،وحبي العميق إلى الملائكة البشريين من حولي ، ثم تناولت قلمي من جيبي ، ووجدت نفسي أكتب عبارةً على حائطٍ مهدمٍ أمامي

(ياأيها العالم الأعمى تبصّر) ،ويا أيها الزائر ( ابكي فأنت فـي غـزة )…

عليا عبد الرحمن حبّاب

1
Mar

سلوان

   بواسطة: رئيفة

hasan-hamid

“اعذرني,

ما عدت قادراً على انتظار بريدك الذي لا يأتي.

لعلك على سفر, أو أن متاعب العمل تكاثرت عليك,

أو لعل مرضاً ألمَّ بك. اكتب إليّ, أو هاتفني كي تزداد الروح صفاء, و أنا هنا, في بلاد الضوء, و الفئ, و الدهشة الضافية.

هاأنذا, أفتكُّ روحي من أسر أحياء القدس, من جمال الحارات, و البيوت, و الشرفات, والساحات, و الأبواب, و الأشجار, و الصباحات, و المساءات,.. و أمضي نحو نبعة سلوان, تماماً كما قلت لي… أمشي وسط أجمات القصب التي تحاذي الساقية الآتية من النبعة, ساقية صافية, غرّيدة, تمرّ بالبيوت كساعي البريد, مسيّجة بأعواد القصب المتعانقة في الأعالي مثل الدوالي, تترك خريرها العذب أمام كل بيت مقدسي هنا, و قرب الشرفات موسيقى حباها الله بالوقع الرنيم… أماشيها و كأنها طفلة تتهجى حروف الأبجدية… فأصعد معها و قد ضاففتها البيوت, وشجيرات الورد, و أرى اندفاعات الماء و تقلبه بين ضفتين نظيفتين زاهيتين مثل جديلتي طفلة أُفلتت للتو من بين يدي أمها الماشطة…

هنا و قرب نبعة سلوان تتسع الأمكنة و تبدو أسطحة البيوت رويداً رويداً, و هنا تبدو التلال كعش من الخضرة العابقة, تمر بي عربات جر, و سيارات, و نساء يحملن في السلال التين والرمان وأكواز الصبارة…. وجوههن أشبه بهالات الضوء التي مسّتها الحمرة الشفيفة… و ثيابهن المحتشمة بالتطريز أشبه بالحقول التي زينتها الألوان الآسرة, يا لهذا الصباح الندي, و يا لهذا الضوء الذي يتشكل على ريث و مهل شديدين, و يا لوقع الخطا فوق بلاطات الحجارة السود, و يا لتغريد الطيور الدانية… و يا لسعادتي بهذا البكور… و نظرات الناس تلفّني, و الهمهمات تصل إليّ بالتحية والسلام… و يا لهذا المنظر البديع الفتان… فها هي نبعة سلوان, دائرة ماء وسيعة, لمعانها يخطف الأبصار, و حصاها سجادة ذهبية الألوان, تتحرك صفحة الماء فيتحرك الحصى في تماوجات تشبه حمحمة الخيل قبل الطراد, لكأن الماء يهمّ بالصعود أو الجولان… صخور وردية نداهة لكأن الصباح أضاءها, أو لكأن الضباب الأبيض الرخي خصها بالبيان… هنا, و حول النبعة أحواض, و قنوات, وحجارة ناهضة على شكل عتبات, و أشجار تين, و صفصاف, و زيزفون, و خروب, و أجمات من القصب كيفما تمايلت تهبُّ منها أنسام شجيرات الريحان و الغار و الطيّون… و حين أدنو أرى صبايا فارعات الطول يدنين جرارهن من صفحة الماء, ثم ينهضن بها, و ما من أحد يدري هل النبعة أعطت ماءها للجرار, أم أن الجرار استلت ماءها قطرة قطرة حتى ارتوت. صبايا شبيهات بأعواد الخيزران… يمضين في ذهاب و إياب و نشور و اجتماع… كأنهن الطيور, و عربات جرّ فوقها براميل ملونة من لدائن البلاستيك, يملؤها شبان ينشدون أغنيات و أهازيج لا يدري المرء من يخصون بها الماء أم الأشجار, أم الصبايا القمريات.

هنا و قد رأيت جمال الصبايا يسيل مثل العسل من أقراص الشمع, تذكرت الحكاية التي قصصتها عليّ, حكاية البنت سلوان التي أعطتها النبعة اسمها, كما أعطت المكان روحها..

أذكر انك قلت لي أن القدس كانت حوضة ماء بين عديد من الجبال المحيطة بها, الجبال التي تبدو حين تنظر إليها أشبه بالكهوف الحاضنة لحوضة الماء الصافي… و أن الماء هو الذي أنبت البيوت, و الأشجار, و الأعشاب, و هو الذي شق حاراتها, و هو من سيّج شبابيكها بنباتات الحبق و الريحان, و هو الذي وزّع الدوالي المعرشة فوق عتبات البيوت, و هو الذي فرش الحصى بكفه العريضة دروباً و ساحات… و حين نهضت البيوت, و الأشجار, و بدت الدروب و الشوارع, انحسر الماء و غار و لم يبق من شاهد على وجوده سوى حوضة النبع الرطيبة التي ساهرها الناس لتعود بمائها.. كي تصفو الحياة, فخاف الناس العطش, و الجفاف, فكان أن انتدبت أجمل صبايا القدس نفسها, و اسمها سلوان, كي تبيت كل ليلة قرب حوضة النبع تدعو و ترجو السماء لتملأ بيدها الرحيمة حوضة النبع بالماء الزلال… و كان لها ذلك في ليلة يضيئها قمران, قمر يركض في السماء, و قمر يجثو قرب حوضة الماء… فقد تعالى الماء حتى طفح, فابتلّ ثوب سلوان, و ابتل جسدها , فتنبهت وقد رأت الماء يتعالى صعوداً كالأناشيد… فأرادت أن تشكر السماء… فدخلت الحوضة… و أسلمت جسدها للماء… و ما أن طلع الصبح حتى ابتهج الناس, و قد رأوا السواقي ملأى والطيور تحوّم تحويمات الجذل, و العتبات مغسولة لامعة… و لم تكن من غصّة سوى افتقاد سلوان…. التي طفا جسدها فوق صفحة الماء… مثل ورقة لا لون لها سوى لون الذهب.

بلى, أكاد أرى الآن جسد سلوان طافياً, فوق سرير النبعة… هو من يضئ الماء, و هو من يعطي للحصى لونه الذهبي الشفيف.”

ملحوظة:

حمدت الله لا لأنني لم أر البغال هنا أيضاً, و لا أصحابها… و إنما لأن هذا المشهد الجميل… لا يحتمل وطء البغال, و لا نهر أصحابها… الثقال. أرجوك اكتب إليّ قبل أن تدمع عيناي.


حسن حميد

1
Mar

شفيق جبري

   بواسطة: رئيفة

hasan-hamid

ندرة هم الذين لا يعرفون أديب الشام و شاعرها شفيق جبري, و ذلك لأنه أوقف حياته كلها من أجل العلم, و الأدب, و الثقافة, و التربية… و الناس. لم يتزوج, و لم يجر وراء ولد, أو جاه, أو منصب, و إنما نذر نفسه للعلم, و الرهافة, و الوطنية, و محبة الناس و خدمتهم.

ساهر اللغة العربية فأيّدها بالشعر و النثر, و عمل عليها في مجامع اللغة العربية, و كتب عنها في الصحف و المجلات, و ألّف فيها الكتب, و درّسها في الجامعة, و انشغل بمناهجها واختيارات نصوصها, و قرأ أعلامها (الجاحظ, الأصفهاني, أحمد شوقي, المتنبي, الشريف الرضي) قراءة العارف المتبصر, و غنّاها شعراً.

وطنيٌ كبير, حملته وطنيته و ثقافته لأن يكون واحداً من أعلام الشام الكبار الذين أنيطت بهم مسؤوليات جمة في وزارة المعارف, و مجمع اللغة العربية, و جامعة دمشق, و دائرة المطبوعات, فكان المثقف المجلي الطامح إلى المزاوجة ما بين آداب العربية و تراثها الأصيل و آداب الشعوب الغربية المتقدمة.

عاش مآسي الأمة العربية و صروف الدهر التي نكبت بها خلال القرن العشرين, فقد شهد إعدام الوطنيين العرب في عام 1916 على يد جمال باشا السفاح, كما شهد دخول الفرنسيين إلى سورية و احتلالها عام 1920 و استشهاد البطل يوسف العظمة, و تحطيم الحلم العربي بالاستقلال الوطني عن الدولة العثمانية, و عايش نكبة فلسطين و تهجير أهلها و طردهم إلى المنافي العربية و قيام الكيان الصهيوني, و وعى سياسات الأحلاف و الاتفاقيات الاستعمارية التي أرادت ربط البلاد العربية بمقاليد السياسة الغربية… فتفجرت قريحته الشعرية قصائدَ وطنية رائعة, ومشت به ثقافته الموسوعية إلى المنابر فحاضر في الموضوعات الوطنية, والقومية, و الإنسانية, و تحدث عن أعلام العرب و رجال النهضة… توثيباً للهمم و دفعاً للنفوس كيما تشتد عزائم الثائرين للخلاص من هيمنة المحتلين الطغاة.

حياة مديدة عاشها شفيق جبري, كلها كانت جهاداً في سبيل عزة العرب و وطنيتهم, و في تمجيد لغتهم العربية بوصفها أهم عناصر الهوية القومية, و في تعزيز جبهة العلم و الثقافة, ودك مستتبات الجهل و الأمية و الاستسلام و نسفها من جذورها البغيضة.

ولد شفيق جبري عام 1898 في حي الشاغور الدمشقي الأصيل الذي انطلقت منه أول رصاصات الثورة باتجاه المحتل الفرنسي عام 1920, في أسرة دمشقية عريقة عرفت بعملها في التجارة. التحق شفيق جبري (بكتّاب) الحي فحفظ القرآن الكريم, و بعض الأحاديث النبوية الشريفة, و مبادئ القراءة و الحساب, فبرع و ناف على أقرانه, بعدئذٍ ألحقه أبوه بمدرسة (العازاريين) المدرسة الدمشقية الخاصة الأكثر شهرة آنذاك, فتعلم علوم العرب والفرنجة, و أتقن العربية, و الفرنسية, و شيئاً من الانكليزية…. إلا أن اهتمام المدرسة بالفرنسية جعله يتقن الفرنسية أكثر لذلك لجأ إلى تثقيف نفسه بنفسه كي يتقن العربية أكثر, فدرس أعلامها (الأصفهاني, و ابن عبد ربه, و الجاحظ, و الحريري, و الهمذاني, و ابن المقفع, و التوحيدي,…) و وقف طويلاً عند شعرائها الكبار (المتنبي, الشريف الرضي, البحتري, أبي تمام, ابي نواس, امرئ القيس, النابغة, الشنفرى, أحمد شوقي, حافظ ابراهيم…) و عبَّ من تاريخ الأمة وقفاً عند أعلامها المؤرخين (الطبري, الواقدي, ابن الأثير, ابن خلدون…) و امتدّ نحو الثقافة الغربية فقرأ بالفرنسية (فولتير, و مونتسكيو, وفيكتور هوغو, و موليير, و راسين, و أناتول فرانس, و بلزاك, و فلوبير, و جان جاك روسو,…) و بذلك اغتنت ذات شفيق جبري بثقافة موسوعية نادرة المثال و المعنى, و قد صبها جميعاً في عقول الطلبة الذين درّسهم في جامعة دمشق من جهة, و في المناهج و الكتب المدرسية التي أشرف على إعدادها و إصدارها من جهة ثانية.

و بعد, فإنه ليس الشعر من خلَّد حياة شفيق جبري و تجربته و حسب, و إنما هو حراكه الثقافي, و خطبه, و مقالاته, و حضوره الأهيب بين الناس في كل خطب و حادثة, ها هو يقول في عيد شهداء أيار و قد وقف أمام قبور المناضلين الأباة:

“يا رجال الوطن, إن هذه القبور لا تحتوي على لحم… إنها تحتوي على فكر خالد لا يموت, هو فكر التضحية, فكر دمشق, فكر سورية كلها”.

و ها هو يقول مناهضاً سلطة الاحتلال الفرنسي سنة 1935:

“إن السياسة الأجنبية في هذه البلاد لا تستطيع أن تضع أيديها إلا في أيدي هذه المخلوقات الواطئة, انظروا إلى هذه الرياسات القائمة في البلاد: رياسة عنيفة مفتتة وسخة, مائتة الدماغ, مفلوجة الشعور, مشلولة الحس”.

و يصرخ بملء الصوت:

“أيها الناس صمموا ألا تكونوا عبيداً تصبحوا أحراراً”.

شفيق جبري أديب, و تربوي, و مثقف, و وطني, و شاعر… أعطى الشام ذوب فؤاده, وخلاصة عقله, و مجد تجربته, والطيبات من الثقافة التي حازها.

حسن حميد

من مؤلفات شفيق جبري:

· المتنبي مالئ الدنيا و شاغل الناس

· الجاحظ معلم العقل و الأدب

· العناصر النفسية في سياسة العرب

· بين البحر و الصحراء

· الأغاني

· الأصفهاني

· أنا و الشعر

· أنا و النثر

· أرض السحر

نوح العندليب

1
Mar

مرجعية الرواية

   بواسطة: رئيفة

hasan-hamid

في ظني,

أن اتساع دائرة الرواية في سورية, و تنامي حراكها الثقافي و الإبداعي, و الأدوار التي باتت تلعبها من حيث الكشف عن المستبطن في الاجتماعية, و التاريخية, و الإبداعية, بات يتطلب دراستها في دوائر أكثر تحديداً و أكثر ضبطاً و نشداناً للمعرفة الاجتماعية, والتاريخية و الإبداعية, كدت أقول و الجمالية أيضاً.

كأن تدرس الرواية في سيرورتها و صيرورتها في منطقة جبل العرب كإقليم إبداعي لمكانه خصوصية, و لاجتماعيته خصوصية, و لجمالية نصوصه خصوصية أيضاً, أو كأن تُدرس الرواية في مجتمع حضري كمجتمع مدينة دمشق, ليس الحضر فيه هم الصفوة, و لا أبناء الريف هم الصفوة, و لا أبناء البادية هم الصفوة, عنيت أن مجتمع مدينة دمشق بات مجتمعاً مقسوماً إلى مجتمعات عديدة تتبدى الريفية و البدوية والحضرية في الكثير من حراكه العام حتى ليظن المرء أن الذهنية البدوية الريفية هي الأكثر حضوراً في العادات و التقاليد و الأعراف و التصورات… و أن المدنية, أو قل الحضرية, ليست سوى قشرة تزيينية رضي بها الريفيون و البدو الذين كروا على المدينة و لا شئ في زواداتهم سوى الشهادات العلمية…

إن دراسة الرواية السورية في دوائرها الأصغر ربما تبدد لنا وهماً قرَّ في الأذهان أن الرواية نتاج عقلية مدنية, أو قل نتاج الذهنية الحضرية التي هي القادرة و حسب على إنتاج علائق اجتماعية متشابكة داخل النص الأدبي, و أن فردية ابن الريف و ابن البادية أيضاً ليس بمقدورها إنتاج رواية فيها واقع متعدد الجوانب و الشخصيات, و الأحداث, تتجاور فيها مضمرات و مكشوفات, و تتبدى فيه فراعة الخيال, و دهشة الترادف, ومعاني الحجب و الإظهار, و الرقة و القسوة.

إن الوهم الذي قرَّ في النفوس بأن الغنى الاجتماعي, و الجمالي, و تعدد الأجيال, وتراكم الخبرات, و سطوة العادات و التقاليد و تأثيرها في الذات الإنسانية, و العواطف, و المصائر… كلها ذات مرجعيات مدينية إنما هو وهم ليس إلا… فأوروبا اليوم, التي تعيش عصورها الذهبية في التعددية, و الاختلاف, و سعة الآفاق, و كثرة الانتاج, وتطور التقنيات, و اشتقاقات الإبداع و الحرية, و التجريب, و الأحلام… يمضي نفر من أدبائها إلى المجتمعات الأخرى التي يصنفونها بالمجتمعات المغلقة, أو المتخلفة, أو البدائية… ليتعلموا فنون الجمال من عفوية الناس, و بكورة الطبيعة, و مجاري الأنهار و الجداول, و اجتماع الطيور, و الحيوانات, و ليقفوا على العادات, و الطقوس, وليعبروا من دوائر الممنوع إلى دوائر المسموح, أو من الثانية إلى الأولى.. كيما يقبضوا على الجمالي و الداهش, و الميثيولوجي, و الخطابي, و النوعي… , بقولة أخرى كيما يخلصوا أنفسهم من غبار المدينية التي طحنت الإنسان من أجل التقدم والتقنيات, و كيما ينتشلوا ذواتهم من آفة الاملال, و اخترام كل ما هو بادٍ و كل ما هو محجوب في آنٍ معاً.

الرواية في سورية, و نحن في العقد الأول من القرن الحادي و العشرين, ذات طعوم مختلفة, و ذات مرجعيات مختلفة, و ذات مسؤوليات مختلفة أيضاً, و عندي إن أحسن النماذج الروائية السورية الصلدة في بنيتها, الداهشة في معماريتها, الآسرة في أحداثها و حادثاتها, الفنية بعاداتها و تقاليدها و أعرافها و تصوراتها… إنما هي الرواية الآتية من منبع ثقافي كنيز, و موهبة مفطورة على البكورية و الاشتقاق.. أياً كانت مرجعية هذا المنبع الثقافي و أياً كانت مرجعية هذه الموهبة… مدينية كانت أو ريفية.. أو خليطاً متمازجاً من البيئتين الاجتماعيتين…

إن تجارب روائية سورية مهمة مثل تجربة حليم بركات, و حيدر حيدر, و عبد السلام العجيلي, و ابراهيم الخليل, و أحمد يوسف داود, ليست مرجعات مدينية, و إنما هي ريفية و بدوية في آن معاً, و أن ما أوجدها و كفل لها الحضور و المكانة… يتمثل في أمرين أساسيين هما الثقافة و الموهبة.

إن الحقول الأولى للحكائية, و الميثولوجيا, و الأسطرة,و العجائبية, و الغناء, والموسيقا, و الألوان, و الجمال, و ابتكارات السلوك و تجسيدها على هيئة طقوس وعادات و تقاليد و مواسم و علائق إنما وجدت في مكانين اجتماعيين أساسيين هما: ضفاف الأنهار, و القرى الموقوفة على الانتظار: انتظار المواسم, و الأعياد, والخصب, و الفرح, و الرياح, و الطيور, و الأمطار, و الأخبار… ففي مكانية الأنهار يتجلى الجمال, و في برهة الانتظار تتجلى الأحلام… و منهما معاً تنهض فراعة الخيال.

إن الوشم, و الحناء, و الغناء, و التطريز, و الموسيقا, و الطيور, و القصب, والغابات, و الطقوس, و الحكايات, و الألعاب, و القصائد, و العبادات, كلها مولّدة على ضفاف الأنهار, حتى القرى هي بنات الأنهار.

صحيح أن الرواية ابنة شرعية للخبرة الاجتماعية, و تراكم الأيام, و أنها محاولة لنزع الأقنعة الكثيرة عن الوجوه طلباً لها, و محاولة لتفسير المعطيات الاجتماعية المعقدة, وتأويلها, و هذه كلها نتاج المدينية, لكن الصحيح أيضاً بأن الحياتين الريفية و البدوية ليستا باديتين إلى درجة الهشاشة و السطحية… ففيهما من الغور, و الطي, و الاحتجاب, و التعقيد, و الخبرة, و الجمال ما لا تعرفه المدن و الحواضر.

أخلص إلى القول إن الاعتقاد الجازم بأن الرواية هي ابنة المدينة ليس سوى وهم قرَّ في النفوس, لأن الرواية ابنة الموهبة و الثقافة و حسب.


حسن حميد

* الرواية حرائق الذات, و حرائق المجتمع, و منهما معاً تنجدل العلائق الاجتماعية و تتوازى… فتتجاذب الأرواح أو تتنافر, و منهما معاً تنسل الموهبة و الثقافة و الرواية الندّاهة.

1
Mar

معجم البابطين

   بواسطة: رئيفة

hasan-hamid

ها أنذا,

أعود لتوي من إحدى الندوات الهامة العربية التي عقدت في دولة الكويت حول موضوعة شديدة الأهمية و الاعتبار و هي (عالم اليوم ثقافات أم مصالح), وقد شارك فيها مفكرون, و رجال عقائد, و أكاديميون, و أصحاب مشاريع ثقافية, و مدراء مؤسسات فكرية معروفة عربياً و عالمياً, و مختصون في الترجمة و من مختلف اللغات…

و قد عقدت الندوة مصاحبة لندوة أخرى عقدت حول معجم البابطين الذي صدر حديثاً, و يقع في خمسة و عشرين مجلداً, و يغطي قرنين من الزمان, القرن الثامن عشر و القرن التاسع عشر, و حقّب لسير ذاتية و قصائد لشعراء عرب تجاوز عددهم ثمانية آلاف شاعر و شاعرة.

ندوة (عالم اليوم ثقافات أم مصالح) كانت محتشدة بالأفكار و الآراء والمعلومات التاريخية, و المعطيات الواقعية الماثلة بين أيدينا, و الواقعة تحت أبصارنا, و كذلك بالرؤى المستقبلية الناهضة على سؤال معرفي هام هو: أي مستقبل تريده البشرية.

و قد وقفت الآراء المطروحة عند مفهومات مثل العالم المتفوق, و العرق الآري, و العنصرية, و الاضطهاد, و الظلم, و التخلف, و العالم الثالث, والتنمية, و الاقتصاد الثقافي, و الروح الفكري, و المثاقفة, و الحوار, والانفتاح, و الرأي و الرأي الآخر, العقائد الدينية, اللغات, الترجمة, معرفة النظم, أخلاقيات البلدان, الاحترام و الاحترام المتبادل, السيادة, و الحقوق, التعددية السياسية, التعددية الفكرية و الثقافية…

كل هذه المفهومات وقفت تجاه السؤال الفلسفي الكبير: مسؤولية هذا العالم واقعة على من؟ أعلى البلدان المتقدمة وحدها أم هي واقعة على كل بلدان هذا الكوكب البشري المتقدمة و المتخلفة في آن.

و بداهة أن الدرس الذهبي الأبدى في عالم السياسة يقرّ أن ما بين البلدان يتمثل في المصالح لا في الحقوق و الثقافات, و أن المصالح هي التي تتحكم بمقاليد العلاقات ما بين الدول دون أن يكون للأخلاقيات أي اعتبار أو مكانة, و العلاقات تتحسن بين الدول حسب المصالح, و تسوء حسب المصالح أيضاً. لكن التعويل يظلّ على دور الثقافات التي تحاول جاهدة أن تقلل من نفوذ القيم الخسيسة التي تعمل وفق المصالح, و قد شبهوا الثقافة بالملاك الحارس للقيم, و المصالح بالشيطان الذي لا هم له سوى إفساد هذه القيم و الإطاحة بها…

و الحق أن الثقافات, و الانفتاح على اللغات, و الأخذ بالحوار, و احترام تاريخية البلدان و تراثها, و الإيمان بحقوقها في الحياة, و التقدم, و التطور, وبناء الحضارة… و عدم طغيان القوي على الضعيف, و إعلاء شأن القيم النبيلة… كلها من المؤيدات التي تحدّ من طغيان المصالح المادية البشعة على الروح الثقافي الذي يجعل المرء يؤمن بأن إنسانيته مكفولة الحقوق في أي بلد من بلدان العالم, و أن الوطنية, و الصبغة التراثية, و سمات الشخصية, وخصائص الذهنية… هي ما يمايز بين فرد يعيش في افريقيا, و آخر يعيش في أوروبا, و هي التي تشكل مضايفة جديدة للإرث الإنساني كي تغتني المعارف, و العلوم, و تتنوع السلوكيات و الاتجاهات,و تتعدد الأفكار و الرؤى…

باختصار شديد, كانت الندوة انفتاح ثقافي مهم على مخاوف مفزعة يعيشها عالم اليوم لا سيما و أن روح الغاب راحت تتجسد عياناً في أكثر من حيّز جغرافي, و في أكثر من زمن معيش.

أما الندوة الثانية التي دارت حول معجم البابطين للشعراء العرب في القرنين الثامن عشر و التاسع عشر, فقد كانت ندوة بالغة الأهمية, و ذلك ليس بسبب أهمية السماء الأدبية التي تحدثت عن المعجم, و إنما بسبب المعجم نفسه, فهو أهم معجم عربي حديث يحقّب لثمانية آلاف شاعر وشاعرة في قرنين من الزمان كنا لا نعرف من شعرائهما سوى عدد قليل حفلت به الكتب المدرسية… فالمعجم من هذه الناحية كنز حقيقي من حيث متابعته و تقصيه لكل الشعراء العرب في كل البلدان العربية و الأجنبية, و لكل التيارات الشعرية دونما استثناء…

و المعجم كنز أيضاً لجهة السيرة الأدبية للشعراء, فمثلاً نقف عند الشعراء الذين عجزوا عن طباعة دواوينهم, و الذين أحرقوا دواوينهم, و الذين اختصوا بلون واحد من الشعر, و الذين عارضوا قصائد بعضهم الآخر, و الذين كتبوا في موضوع واحد… الخ, يضاف إلى ذلك أن المعجم يؤرخ للحياة الاجتماعية والسياسية و الاقتصادية و الثقافية و العسكرية و الدينية… بالشعر, فكل الحوادث والحادثات التي أرجفت المجتمع العربي… برزت أصداؤها في الشعر… و في هذا تصحيح للكتابة التاريخية الرسمية, لأن الشعر وقف عند جراح الناس وأنفاسهم, و ما أدمى ذواتهم…

معجم يحتاج إلى قراءات متعددة, أدبية, و نقدية, و تاريخية, و اجتماعية, و سياسية أيضاً… و من هذه القراءات يتبدى المجتمع على حقيقته بعيداً عن الأهواء و المحسوبيات و بذلك تتحقق مقولة: أن الشعر ديوان العرب.

حسن حميد

معجم البابطين للشعراء العرب في القرنين الثامن عشر و التاسع عشر… تحقيبٌ شعري للشعراء, و التيارات الشعرية, و رصدٌ عميق لثقافة الشعراء و سيرهم الذاتية, و مصادرهم الإبداعية.

جهد موسوعي يعزز مكانة الشعر في زمننا المجافي.