أرشيف القسم: ‘حسن حميد’

1
Mar

سلوان

   بواسطة: رئيفة

hasan-hamid

“اعذرني,

ما عدت قادراً على انتظار بريدك الذي لا يأتي.

لعلك على سفر, أو أن متاعب العمل تكاثرت عليك,

أو لعل مرضاً ألمَّ بك. اكتب إليّ, أو هاتفني كي تزداد الروح صفاء, و أنا هنا, في بلاد الضوء, و الفئ, و الدهشة الضافية.

هاأنذا, أفتكُّ روحي من أسر أحياء القدس, من جمال الحارات, و البيوت, و الشرفات, والساحات, و الأبواب, و الأشجار, و الصباحات, و المساءات,.. و أمضي نحو نبعة سلوان, تماماً كما قلت لي… أمشي وسط أجمات القصب التي تحاذي الساقية الآتية من النبعة, ساقية صافية, غرّيدة, تمرّ بالبيوت كساعي البريد, مسيّجة بأعواد القصب المتعانقة في الأعالي مثل الدوالي, تترك خريرها العذب أمام كل بيت مقدسي هنا, و قرب الشرفات موسيقى حباها الله بالوقع الرنيم… أماشيها و كأنها طفلة تتهجى حروف الأبجدية… فأصعد معها و قد ضاففتها البيوت, وشجيرات الورد, و أرى اندفاعات الماء و تقلبه بين ضفتين نظيفتين زاهيتين مثل جديلتي طفلة أُفلتت للتو من بين يدي أمها الماشطة…

هنا و قرب نبعة سلوان تتسع الأمكنة و تبدو أسطحة البيوت رويداً رويداً, و هنا تبدو التلال كعش من الخضرة العابقة, تمر بي عربات جر, و سيارات, و نساء يحملن في السلال التين والرمان وأكواز الصبارة…. وجوههن أشبه بهالات الضوء التي مسّتها الحمرة الشفيفة… و ثيابهن المحتشمة بالتطريز أشبه بالحقول التي زينتها الألوان الآسرة, يا لهذا الصباح الندي, و يا لهذا الضوء الذي يتشكل على ريث و مهل شديدين, و يا لوقع الخطا فوق بلاطات الحجارة السود, و يا لتغريد الطيور الدانية… و يا لسعادتي بهذا البكور… و نظرات الناس تلفّني, و الهمهمات تصل إليّ بالتحية والسلام… و يا لهذا المنظر البديع الفتان… فها هي نبعة سلوان, دائرة ماء وسيعة, لمعانها يخطف الأبصار, و حصاها سجادة ذهبية الألوان, تتحرك صفحة الماء فيتحرك الحصى في تماوجات تشبه حمحمة الخيل قبل الطراد, لكأن الماء يهمّ بالصعود أو الجولان… صخور وردية نداهة لكأن الصباح أضاءها, أو لكأن الضباب الأبيض الرخي خصها بالبيان… هنا, و حول النبعة أحواض, و قنوات, وحجارة ناهضة على شكل عتبات, و أشجار تين, و صفصاف, و زيزفون, و خروب, و أجمات من القصب كيفما تمايلت تهبُّ منها أنسام شجيرات الريحان و الغار و الطيّون… و حين أدنو أرى صبايا فارعات الطول يدنين جرارهن من صفحة الماء, ثم ينهضن بها, و ما من أحد يدري هل النبعة أعطت ماءها للجرار, أم أن الجرار استلت ماءها قطرة قطرة حتى ارتوت. صبايا شبيهات بأعواد الخيزران… يمضين في ذهاب و إياب و نشور و اجتماع… كأنهن الطيور, و عربات جرّ فوقها براميل ملونة من لدائن البلاستيك, يملؤها شبان ينشدون أغنيات و أهازيج لا يدري المرء من يخصون بها الماء أم الأشجار, أم الصبايا القمريات.

هنا و قد رأيت جمال الصبايا يسيل مثل العسل من أقراص الشمع, تذكرت الحكاية التي قصصتها عليّ, حكاية البنت سلوان التي أعطتها النبعة اسمها, كما أعطت المكان روحها..

أذكر انك قلت لي أن القدس كانت حوضة ماء بين عديد من الجبال المحيطة بها, الجبال التي تبدو حين تنظر إليها أشبه بالكهوف الحاضنة لحوضة الماء الصافي… و أن الماء هو الذي أنبت البيوت, و الأشجار, و الأعشاب, و هو الذي شق حاراتها, و هو من سيّج شبابيكها بنباتات الحبق و الريحان, و هو الذي وزّع الدوالي المعرشة فوق عتبات البيوت, و هو الذي فرش الحصى بكفه العريضة دروباً و ساحات… و حين نهضت البيوت, و الأشجار, و بدت الدروب و الشوارع, انحسر الماء و غار و لم يبق من شاهد على وجوده سوى حوضة النبع الرطيبة التي ساهرها الناس لتعود بمائها.. كي تصفو الحياة, فخاف الناس العطش, و الجفاف, فكان أن انتدبت أجمل صبايا القدس نفسها, و اسمها سلوان, كي تبيت كل ليلة قرب حوضة النبع تدعو و ترجو السماء لتملأ بيدها الرحيمة حوضة النبع بالماء الزلال… و كان لها ذلك في ليلة يضيئها قمران, قمر يركض في السماء, و قمر يجثو قرب حوضة الماء… فقد تعالى الماء حتى طفح, فابتلّ ثوب سلوان, و ابتل جسدها , فتنبهت وقد رأت الماء يتعالى صعوداً كالأناشيد… فأرادت أن تشكر السماء… فدخلت الحوضة… و أسلمت جسدها للماء… و ما أن طلع الصبح حتى ابتهج الناس, و قد رأوا السواقي ملأى والطيور تحوّم تحويمات الجذل, و العتبات مغسولة لامعة… و لم تكن من غصّة سوى افتقاد سلوان…. التي طفا جسدها فوق صفحة الماء… مثل ورقة لا لون لها سوى لون الذهب.

بلى, أكاد أرى الآن جسد سلوان طافياً, فوق سرير النبعة… هو من يضئ الماء, و هو من يعطي للحصى لونه الذهبي الشفيف.”

ملحوظة:

حمدت الله لا لأنني لم أر البغال هنا أيضاً, و لا أصحابها… و إنما لأن هذا المشهد الجميل… لا يحتمل وطء البغال, و لا نهر أصحابها… الثقال. أرجوك اكتب إليّ قبل أن تدمع عيناي.


حسن حميد

1
Mar

شفيق جبري

   بواسطة: رئيفة

hasan-hamid

ندرة هم الذين لا يعرفون أديب الشام و شاعرها شفيق جبري, و ذلك لأنه أوقف حياته كلها من أجل العلم, و الأدب, و الثقافة, و التربية… و الناس. لم يتزوج, و لم يجر وراء ولد, أو جاه, أو منصب, و إنما نذر نفسه للعلم, و الرهافة, و الوطنية, و محبة الناس و خدمتهم.

ساهر اللغة العربية فأيّدها بالشعر و النثر, و عمل عليها في مجامع اللغة العربية, و كتب عنها في الصحف و المجلات, و ألّف فيها الكتب, و درّسها في الجامعة, و انشغل بمناهجها واختيارات نصوصها, و قرأ أعلامها (الجاحظ, الأصفهاني, أحمد شوقي, المتنبي, الشريف الرضي) قراءة العارف المتبصر, و غنّاها شعراً.

وطنيٌ كبير, حملته وطنيته و ثقافته لأن يكون واحداً من أعلام الشام الكبار الذين أنيطت بهم مسؤوليات جمة في وزارة المعارف, و مجمع اللغة العربية, و جامعة دمشق, و دائرة المطبوعات, فكان المثقف المجلي الطامح إلى المزاوجة ما بين آداب العربية و تراثها الأصيل و آداب الشعوب الغربية المتقدمة.

عاش مآسي الأمة العربية و صروف الدهر التي نكبت بها خلال القرن العشرين, فقد شهد إعدام الوطنيين العرب في عام 1916 على يد جمال باشا السفاح, كما شهد دخول الفرنسيين إلى سورية و احتلالها عام 1920 و استشهاد البطل يوسف العظمة, و تحطيم الحلم العربي بالاستقلال الوطني عن الدولة العثمانية, و عايش نكبة فلسطين و تهجير أهلها و طردهم إلى المنافي العربية و قيام الكيان الصهيوني, و وعى سياسات الأحلاف و الاتفاقيات الاستعمارية التي أرادت ربط البلاد العربية بمقاليد السياسة الغربية… فتفجرت قريحته الشعرية قصائدَ وطنية رائعة, ومشت به ثقافته الموسوعية إلى المنابر فحاضر في الموضوعات الوطنية, والقومية, و الإنسانية, و تحدث عن أعلام العرب و رجال النهضة… توثيباً للهمم و دفعاً للنفوس كيما تشتد عزائم الثائرين للخلاص من هيمنة المحتلين الطغاة.

حياة مديدة عاشها شفيق جبري, كلها كانت جهاداً في سبيل عزة العرب و وطنيتهم, و في تمجيد لغتهم العربية بوصفها أهم عناصر الهوية القومية, و في تعزيز جبهة العلم و الثقافة, ودك مستتبات الجهل و الأمية و الاستسلام و نسفها من جذورها البغيضة.

ولد شفيق جبري عام 1898 في حي الشاغور الدمشقي الأصيل الذي انطلقت منه أول رصاصات الثورة باتجاه المحتل الفرنسي عام 1920, في أسرة دمشقية عريقة عرفت بعملها في التجارة. التحق شفيق جبري (بكتّاب) الحي فحفظ القرآن الكريم, و بعض الأحاديث النبوية الشريفة, و مبادئ القراءة و الحساب, فبرع و ناف على أقرانه, بعدئذٍ ألحقه أبوه بمدرسة (العازاريين) المدرسة الدمشقية الخاصة الأكثر شهرة آنذاك, فتعلم علوم العرب والفرنجة, و أتقن العربية, و الفرنسية, و شيئاً من الانكليزية…. إلا أن اهتمام المدرسة بالفرنسية جعله يتقن الفرنسية أكثر لذلك لجأ إلى تثقيف نفسه بنفسه كي يتقن العربية أكثر, فدرس أعلامها (الأصفهاني, و ابن عبد ربه, و الجاحظ, و الحريري, و الهمذاني, و ابن المقفع, و التوحيدي,…) و وقف طويلاً عند شعرائها الكبار (المتنبي, الشريف الرضي, البحتري, أبي تمام, ابي نواس, امرئ القيس, النابغة, الشنفرى, أحمد شوقي, حافظ ابراهيم…) و عبَّ من تاريخ الأمة وقفاً عند أعلامها المؤرخين (الطبري, الواقدي, ابن الأثير, ابن خلدون…) و امتدّ نحو الثقافة الغربية فقرأ بالفرنسية (فولتير, و مونتسكيو, وفيكتور هوغو, و موليير, و راسين, و أناتول فرانس, و بلزاك, و فلوبير, و جان جاك روسو,…) و بذلك اغتنت ذات شفيق جبري بثقافة موسوعية نادرة المثال و المعنى, و قد صبها جميعاً في عقول الطلبة الذين درّسهم في جامعة دمشق من جهة, و في المناهج و الكتب المدرسية التي أشرف على إعدادها و إصدارها من جهة ثانية.

و بعد, فإنه ليس الشعر من خلَّد حياة شفيق جبري و تجربته و حسب, و إنما هو حراكه الثقافي, و خطبه, و مقالاته, و حضوره الأهيب بين الناس في كل خطب و حادثة, ها هو يقول في عيد شهداء أيار و قد وقف أمام قبور المناضلين الأباة:

“يا رجال الوطن, إن هذه القبور لا تحتوي على لحم… إنها تحتوي على فكر خالد لا يموت, هو فكر التضحية, فكر دمشق, فكر سورية كلها”.

و ها هو يقول مناهضاً سلطة الاحتلال الفرنسي سنة 1935:

“إن السياسة الأجنبية في هذه البلاد لا تستطيع أن تضع أيديها إلا في أيدي هذه المخلوقات الواطئة, انظروا إلى هذه الرياسات القائمة في البلاد: رياسة عنيفة مفتتة وسخة, مائتة الدماغ, مفلوجة الشعور, مشلولة الحس”.

و يصرخ بملء الصوت:

“أيها الناس صمموا ألا تكونوا عبيداً تصبحوا أحراراً”.

شفيق جبري أديب, و تربوي, و مثقف, و وطني, و شاعر… أعطى الشام ذوب فؤاده, وخلاصة عقله, و مجد تجربته, والطيبات من الثقافة التي حازها.

حسن حميد

من مؤلفات شفيق جبري:

· المتنبي مالئ الدنيا و شاغل الناس

· الجاحظ معلم العقل و الأدب

· العناصر النفسية في سياسة العرب

· بين البحر و الصحراء

· الأغاني

· الأصفهاني

· أنا و الشعر

· أنا و النثر

· أرض السحر

نوح العندليب

1
Mar

مرجعية الرواية

   بواسطة: رئيفة

hasan-hamid

في ظني,

أن اتساع دائرة الرواية في سورية, و تنامي حراكها الثقافي و الإبداعي, و الأدوار التي باتت تلعبها من حيث الكشف عن المستبطن في الاجتماعية, و التاريخية, و الإبداعية, بات يتطلب دراستها في دوائر أكثر تحديداً و أكثر ضبطاً و نشداناً للمعرفة الاجتماعية, والتاريخية و الإبداعية, كدت أقول و الجمالية أيضاً.

كأن تدرس الرواية في سيرورتها و صيرورتها في منطقة جبل العرب كإقليم إبداعي لمكانه خصوصية, و لاجتماعيته خصوصية, و لجمالية نصوصه خصوصية أيضاً, أو كأن تُدرس الرواية في مجتمع حضري كمجتمع مدينة دمشق, ليس الحضر فيه هم الصفوة, و لا أبناء الريف هم الصفوة, و لا أبناء البادية هم الصفوة, عنيت أن مجتمع مدينة دمشق بات مجتمعاً مقسوماً إلى مجتمعات عديدة تتبدى الريفية و البدوية والحضرية في الكثير من حراكه العام حتى ليظن المرء أن الذهنية البدوية الريفية هي الأكثر حضوراً في العادات و التقاليد و الأعراف و التصورات… و أن المدنية, أو قل الحضرية, ليست سوى قشرة تزيينية رضي بها الريفيون و البدو الذين كروا على المدينة و لا شئ في زواداتهم سوى الشهادات العلمية…

إن دراسة الرواية السورية في دوائرها الأصغر ربما تبدد لنا وهماً قرَّ في الأذهان أن الرواية نتاج عقلية مدنية, أو قل نتاج الذهنية الحضرية التي هي القادرة و حسب على إنتاج علائق اجتماعية متشابكة داخل النص الأدبي, و أن فردية ابن الريف و ابن البادية أيضاً ليس بمقدورها إنتاج رواية فيها واقع متعدد الجوانب و الشخصيات, و الأحداث, تتجاور فيها مضمرات و مكشوفات, و تتبدى فيه فراعة الخيال, و دهشة الترادف, ومعاني الحجب و الإظهار, و الرقة و القسوة.

إن الوهم الذي قرَّ في النفوس بأن الغنى الاجتماعي, و الجمالي, و تعدد الأجيال, وتراكم الخبرات, و سطوة العادات و التقاليد و تأثيرها في الذات الإنسانية, و العواطف, و المصائر… كلها ذات مرجعيات مدينية إنما هو وهم ليس إلا… فأوروبا اليوم, التي تعيش عصورها الذهبية في التعددية, و الاختلاف, و سعة الآفاق, و كثرة الانتاج, وتطور التقنيات, و اشتقاقات الإبداع و الحرية, و التجريب, و الأحلام… يمضي نفر من أدبائها إلى المجتمعات الأخرى التي يصنفونها بالمجتمعات المغلقة, أو المتخلفة, أو البدائية… ليتعلموا فنون الجمال من عفوية الناس, و بكورة الطبيعة, و مجاري الأنهار و الجداول, و اجتماع الطيور, و الحيوانات, و ليقفوا على العادات, و الطقوس, وليعبروا من دوائر الممنوع إلى دوائر المسموح, أو من الثانية إلى الأولى.. كيما يقبضوا على الجمالي و الداهش, و الميثيولوجي, و الخطابي, و النوعي… , بقولة أخرى كيما يخلصوا أنفسهم من غبار المدينية التي طحنت الإنسان من أجل التقدم والتقنيات, و كيما ينتشلوا ذواتهم من آفة الاملال, و اخترام كل ما هو بادٍ و كل ما هو محجوب في آنٍ معاً.

الرواية في سورية, و نحن في العقد الأول من القرن الحادي و العشرين, ذات طعوم مختلفة, و ذات مرجعيات مختلفة, و ذات مسؤوليات مختلفة أيضاً, و عندي إن أحسن النماذج الروائية السورية الصلدة في بنيتها, الداهشة في معماريتها, الآسرة في أحداثها و حادثاتها, الفنية بعاداتها و تقاليدها و أعرافها و تصوراتها… إنما هي الرواية الآتية من منبع ثقافي كنيز, و موهبة مفطورة على البكورية و الاشتقاق.. أياً كانت مرجعية هذا المنبع الثقافي و أياً كانت مرجعية هذه الموهبة… مدينية كانت أو ريفية.. أو خليطاً متمازجاً من البيئتين الاجتماعيتين…

إن تجارب روائية سورية مهمة مثل تجربة حليم بركات, و حيدر حيدر, و عبد السلام العجيلي, و ابراهيم الخليل, و أحمد يوسف داود, ليست مرجعات مدينية, و إنما هي ريفية و بدوية في آن معاً, و أن ما أوجدها و كفل لها الحضور و المكانة… يتمثل في أمرين أساسيين هما الثقافة و الموهبة.

إن الحقول الأولى للحكائية, و الميثولوجيا, و الأسطرة,و العجائبية, و الغناء, والموسيقا, و الألوان, و الجمال, و ابتكارات السلوك و تجسيدها على هيئة طقوس وعادات و تقاليد و مواسم و علائق إنما وجدت في مكانين اجتماعيين أساسيين هما: ضفاف الأنهار, و القرى الموقوفة على الانتظار: انتظار المواسم, و الأعياد, والخصب, و الفرح, و الرياح, و الطيور, و الأمطار, و الأخبار… ففي مكانية الأنهار يتجلى الجمال, و في برهة الانتظار تتجلى الأحلام… و منهما معاً تنهض فراعة الخيال.

إن الوشم, و الحناء, و الغناء, و التطريز, و الموسيقا, و الطيور, و القصب, والغابات, و الطقوس, و الحكايات, و الألعاب, و القصائد, و العبادات, كلها مولّدة على ضفاف الأنهار, حتى القرى هي بنات الأنهار.

صحيح أن الرواية ابنة شرعية للخبرة الاجتماعية, و تراكم الأيام, و أنها محاولة لنزع الأقنعة الكثيرة عن الوجوه طلباً لها, و محاولة لتفسير المعطيات الاجتماعية المعقدة, وتأويلها, و هذه كلها نتاج المدينية, لكن الصحيح أيضاً بأن الحياتين الريفية و البدوية ليستا باديتين إلى درجة الهشاشة و السطحية… ففيهما من الغور, و الطي, و الاحتجاب, و التعقيد, و الخبرة, و الجمال ما لا تعرفه المدن و الحواضر.

أخلص إلى القول إن الاعتقاد الجازم بأن الرواية هي ابنة المدينة ليس سوى وهم قرَّ في النفوس, لأن الرواية ابنة الموهبة و الثقافة و حسب.


حسن حميد

* الرواية حرائق الذات, و حرائق المجتمع, و منهما معاً تنجدل العلائق الاجتماعية و تتوازى… فتتجاذب الأرواح أو تتنافر, و منهما معاً تنسل الموهبة و الثقافة و الرواية الندّاهة.

1
Mar

معجم البابطين

   بواسطة: رئيفة

hasan-hamid

ها أنذا,

أعود لتوي من إحدى الندوات الهامة العربية التي عقدت في دولة الكويت حول موضوعة شديدة الأهمية و الاعتبار و هي (عالم اليوم ثقافات أم مصالح), وقد شارك فيها مفكرون, و رجال عقائد, و أكاديميون, و أصحاب مشاريع ثقافية, و مدراء مؤسسات فكرية معروفة عربياً و عالمياً, و مختصون في الترجمة و من مختلف اللغات…

و قد عقدت الندوة مصاحبة لندوة أخرى عقدت حول معجم البابطين الذي صدر حديثاً, و يقع في خمسة و عشرين مجلداً, و يغطي قرنين من الزمان, القرن الثامن عشر و القرن التاسع عشر, و حقّب لسير ذاتية و قصائد لشعراء عرب تجاوز عددهم ثمانية آلاف شاعر و شاعرة.

ندوة (عالم اليوم ثقافات أم مصالح) كانت محتشدة بالأفكار و الآراء والمعلومات التاريخية, و المعطيات الواقعية الماثلة بين أيدينا, و الواقعة تحت أبصارنا, و كذلك بالرؤى المستقبلية الناهضة على سؤال معرفي هام هو: أي مستقبل تريده البشرية.

و قد وقفت الآراء المطروحة عند مفهومات مثل العالم المتفوق, و العرق الآري, و العنصرية, و الاضطهاد, و الظلم, و التخلف, و العالم الثالث, والتنمية, و الاقتصاد الثقافي, و الروح الفكري, و المثاقفة, و الحوار, والانفتاح, و الرأي و الرأي الآخر, العقائد الدينية, اللغات, الترجمة, معرفة النظم, أخلاقيات البلدان, الاحترام و الاحترام المتبادل, السيادة, و الحقوق, التعددية السياسية, التعددية الفكرية و الثقافية…

كل هذه المفهومات وقفت تجاه السؤال الفلسفي الكبير: مسؤولية هذا العالم واقعة على من؟ أعلى البلدان المتقدمة وحدها أم هي واقعة على كل بلدان هذا الكوكب البشري المتقدمة و المتخلفة في آن.

و بداهة أن الدرس الذهبي الأبدى في عالم السياسة يقرّ أن ما بين البلدان يتمثل في المصالح لا في الحقوق و الثقافات, و أن المصالح هي التي تتحكم بمقاليد العلاقات ما بين الدول دون أن يكون للأخلاقيات أي اعتبار أو مكانة, و العلاقات تتحسن بين الدول حسب المصالح, و تسوء حسب المصالح أيضاً. لكن التعويل يظلّ على دور الثقافات التي تحاول جاهدة أن تقلل من نفوذ القيم الخسيسة التي تعمل وفق المصالح, و قد شبهوا الثقافة بالملاك الحارس للقيم, و المصالح بالشيطان الذي لا هم له سوى إفساد هذه القيم و الإطاحة بها…

و الحق أن الثقافات, و الانفتاح على اللغات, و الأخذ بالحوار, و احترام تاريخية البلدان و تراثها, و الإيمان بحقوقها في الحياة, و التقدم, و التطور, وبناء الحضارة… و عدم طغيان القوي على الضعيف, و إعلاء شأن القيم النبيلة… كلها من المؤيدات التي تحدّ من طغيان المصالح المادية البشعة على الروح الثقافي الذي يجعل المرء يؤمن بأن إنسانيته مكفولة الحقوق في أي بلد من بلدان العالم, و أن الوطنية, و الصبغة التراثية, و سمات الشخصية, وخصائص الذهنية… هي ما يمايز بين فرد يعيش في افريقيا, و آخر يعيش في أوروبا, و هي التي تشكل مضايفة جديدة للإرث الإنساني كي تغتني المعارف, و العلوم, و تتنوع السلوكيات و الاتجاهات,و تتعدد الأفكار و الرؤى…

باختصار شديد, كانت الندوة انفتاح ثقافي مهم على مخاوف مفزعة يعيشها عالم اليوم لا سيما و أن روح الغاب راحت تتجسد عياناً في أكثر من حيّز جغرافي, و في أكثر من زمن معيش.

أما الندوة الثانية التي دارت حول معجم البابطين للشعراء العرب في القرنين الثامن عشر و التاسع عشر, فقد كانت ندوة بالغة الأهمية, و ذلك ليس بسبب أهمية السماء الأدبية التي تحدثت عن المعجم, و إنما بسبب المعجم نفسه, فهو أهم معجم عربي حديث يحقّب لثمانية آلاف شاعر وشاعرة في قرنين من الزمان كنا لا نعرف من شعرائهما سوى عدد قليل حفلت به الكتب المدرسية… فالمعجم من هذه الناحية كنز حقيقي من حيث متابعته و تقصيه لكل الشعراء العرب في كل البلدان العربية و الأجنبية, و لكل التيارات الشعرية دونما استثناء…

و المعجم كنز أيضاً لجهة السيرة الأدبية للشعراء, فمثلاً نقف عند الشعراء الذين عجزوا عن طباعة دواوينهم, و الذين أحرقوا دواوينهم, و الذين اختصوا بلون واحد من الشعر, و الذين عارضوا قصائد بعضهم الآخر, و الذين كتبوا في موضوع واحد… الخ, يضاف إلى ذلك أن المعجم يؤرخ للحياة الاجتماعية والسياسية و الاقتصادية و الثقافية و العسكرية و الدينية… بالشعر, فكل الحوادث والحادثات التي أرجفت المجتمع العربي… برزت أصداؤها في الشعر… و في هذا تصحيح للكتابة التاريخية الرسمية, لأن الشعر وقف عند جراح الناس وأنفاسهم, و ما أدمى ذواتهم…

معجم يحتاج إلى قراءات متعددة, أدبية, و نقدية, و تاريخية, و اجتماعية, و سياسية أيضاً… و من هذه القراءات يتبدى المجتمع على حقيقته بعيداً عن الأهواء و المحسوبيات و بذلك تتحقق مقولة: أن الشعر ديوان العرب.

حسن حميد

معجم البابطين للشعراء العرب في القرنين الثامن عشر و التاسع عشر… تحقيبٌ شعري للشعراء, و التيارات الشعرية, و رصدٌ عميق لثقافة الشعراء و سيرهم الذاتية, و مصادرهم الإبداعية.

جهد موسوعي يعزز مكانة الشعر في زمننا المجافي.

hasan-hamid

س1 في ظني أن حسن حميد لا يعتمد الحبكة التقليدية.. لأن لديه تنوعاً في أساليب السرد. هنا أود أن أسأل: كيف تنظر إلى رواياتك في إطار التنوع والاختلاف في بنية الرواية العربية؟!

ج1 نادراً ما أعود إلى رواياتي بعد طباعتها لكي أقرأها. قد أعود إليها إذا ما نبهت إلى أمر ما فيها. أقول هذا لأن الرواية لا تخرج من بين يديّ إلا بـ (طلعان) الروح. كتابة رواية واحدة (رواية حقيقية) تستلزم من الكاتب أن يغير دمه لأنها تستنزفه جسدياً، وعصبياً، وروحياً، ومعرفياً. ذلك لأن الرواية الناجحة هي رواية معرفة، رواية جدة واختلاف، رواية دهشة محمولة على كف الرؤية التي يتوخاها الكاتب.

نعم. أنا ميال إلى التنوع، والاختلاف، والمغايرة.. لأن هذا الميل طبيعة موجودة داخل كيمياء الفرد البشري، فهو ليس عاطفياً أو يحب التملك فقط وإنما هو نزوع إلى التفرد والمفارقة في كل ما يفعله.

أظن أن الرواية العربية بلغت سن الرشد مع عمنا نجيب محفوظ، فرواياته كانت جديرة بالمناددة مع الروايات العالمية التي استوردناها من الغرب (الأوروبي والأمريكي) بعد أن كانت القطيعة مطبقة مع آسيا، وأمريكا اللاتينية، وأفريقيا. وقد جربت الرواية العربية، عبر تجارب روائية مهمة جداً، أساليب عدة في الكتابة جعلت سمتها الرئيسة التنوع والاختلاف. فالآن لا يكتب واسيني الأعرج مثلما كتب نجيب محفوظ كما لا يكتب إبراهيم نصر الله مثلما يكتب آلان روب غرييه، إنه يكتب روحه والأمكنة التي عرفها، والأزمنة التي غصَّ بها، والشخوص التي ابتدعها أو عايشها أو أحبها. حسن حميد لا يكتب أيضاً مثلما يكتب واسيني الأعرج وإبراهيم نصر الله، ولا يكتب مثلما كتب أرسكين كالدويل.. إنه يكتب ما يسميه الخصوصية التي ستميزه بين هذا وذاك. بلى، كتابتي الروائية، وحتى القصصية، مختلفة عن كتابات الآخرين لأنني حاولت أن أضع فيها كل ذخيرتي ومعرفتي وموهبتي ورؤاي وتشوفاتي.

س2 هناك مقولة تقول إن الروائي العربي ينشر رواية واحدة على الأغلب، ثم يكتب روايات عدة تدور حولها أو تحاكيها، ما رأيك؟!

ج2 أظن أن الأقرب إلى الصواب هو أن نجاح الروائي قد يكون وقفاً على عمل روائي واحد، وباقي رواياته تصبح وصيفات لا أكثر. هذا ربما حدث مع فلوبير في (مدام بوفاري)، ومع دوستويفسكي في (الجريمة والعقاب)، ومع أرسكين كالدويل في (طريق التبغ)، ومع فوكنر في (الصخب والعنف)، ومع نجيب محفوظ في (الثلاثية) ومع.. الخ، ولكن المقولة التي طرحتها ليست خاطئة أو مغلوطة لأن تجارب روائية عدة تمثلها رواية واحدة إلى حد أن الروايات الأخرى تصير كما لو أنها إعادة إنتاج للرواية الأولى

س3 يبدو أن الحوار كان فاعلاً ومهماً في عدد من رواياتك (الوناس عطية) و(جسر بنات يعقول) تُرى ألا يمكن اعتبار شخصيات رواياتك قد تحررت من كبتها حين تفاعلت مع الحوار. أقول هذا لأنني أجد بأن الحوار يكاد يكون مفقوداً في غالبية الروايات العربية؟!

ج3 في وهمي أن الحوار وحده لا يدلل على تحرر شخصيات العمل الروائي، أو فعاليتها، وإن كان كما قلت مؤشراً. حرية الشخصيات وفعاليتها تتبديان في الهيكلية العامة لها، كدت أقول من (الكركتر) العام كما يقول نقاد المسرح.

الحوار في الرواية مهم جداً وضروري لكي تخلق التأويلات، والتناقضات، ولكي تبدو الثنائيات التي يحتشد بها المجتمع العربي تماماً مثلما تحتشد بها الذوات العربية.

س4 اعتمدت في رواياتك على الموروث الشعبي والأسطورة. ألا تعتقد أن توظيف الموروث والأسطورة، بشكل عام، جرى كموقف أيديولوجي؟!

ج4 أظن أن أهم كتابين لا يرتوي منهما الروائي هما: كتاب الأسطورة. وكتاب التراث الشعبي. والروائي الذي يتحيّد هذين الكتابين هو روائي شديد الضحالة، ومصاب بالعطشى المعرفي، ومصاب بمرض اسمه (عطالة الحواس).

أنا تلميذ لمعلمين هائلين هما: الأسطورة والتراث. ذلك لأنني وعيت مبكراً أنني أنتسب جغرافياً وتاريخياً لحضارة الأنهار التي أوجدت الزراعة وأدواتها، والمهن وأدواتها، والحروب وأدواتها، والجمال وأدواته. أنا ابن حضارة نهر الأردن الذي له ضفتان باذختان من المعرفة والحضارة، عنيتُ بالضفة الأولى: وادي النيل، وعنيتُ بالضفة الثانية: بلاد ما بين النهرين. ومن يقرأ التاريخ سيجد بأن حضارة باذخة عمرتها تلك الأنهار بأيدي أهلها العارفين، لهذا لا عجب حين تتداخل الحدود ما بين الأسطوري والتراثي في مدونات ومرويات تلك الحضارة. واستنادي إلى الأسطورة والتراث ليس استناد معرفة وحسب وإنما هو محاولة لتشرب جمالية الفنون التي كانت آنذاك كالرسم، والتلوين، والنقش، والروي.. وتفاصيل كيمياء النصوص من حيث الاستهلال، والإبطاء، والالتواء، والمداورة، والتكرار، والمراوحة، والطي، والقفز، والمجاراة، والتشويق، والخواتيم والنهايات.. الخ.

واستغراقي في الأسطورة والتراث ليس استغراقاً ولّدته نزعة الإعجاب والأنانية. . حتى ليصير موقفي موقفاً إيديولوجياً! إطلاقاً.. ما أردته من الاستغراق في ذينيك الكتابين هو التخفيف من وطأة الاستهلاكية، وسطوة المعرفة الجاهلة التي محت التاريخ أو غطته بالراهن. ومحاولة أيضاً لإنقاذ الأرواح من خلالها، ومتاهاتها، وضعفها بعدما بُهرت بالجديد ضوءاً، وقوةً، وحضوراً.

ها نحن نرى أمريكا اللاتينية من خلال أدبها، نرى تاريخها القديم والحديث.. وقد جهلناهما سابقاً. وأوروبا اليوم تقرأ أمريكا اللاتينية من روايات كتّابها بعد أن حيدتها قروناً.. وهذا ما سيحدث في أزمنة آتية بالنسبة لآسيا، وأفريقيا. روايات أمريكا الجنوبية قدمت لنا أساطير أهلها وتراث ناسها عبر مواقف ومرئيات يومية.. فهل نقول إن ذلك موقفاً إيديولوجياً؟! إن قلنا نعم، فهذه الإيديولوجية أحبها، وآخذها طيّ صدري.

س5 إلى أي حد تعتبر أن الأيديولوجيا أضرّت بالأدب؟! وإلى أيّ حد حجمته؟! بقولة أخرى ألا ترى أن الشعر العربي قد تخلص من المقولات الكبرى والشعارات الفضفاضة واتجه عبر قصيدة النثر إلى الإنسان بوصفه إنساناً.. بينما لا يزال الروائيون يستقون رواياتهم من الأيديولوجيا؟!

ج5 بداية أوافقك على أن الأيديولوجية الشعاراتية ـ الإعلانية أضرت بالأدب كثيراً، ولكن ما كتبته الأيديولوجيا ليس أدباً، إنه مقالات إعلانية حول أحزاب، أو تيارات، أو بلاد، أو قضايا. ولكن الأيديولوجيا باعتبارها رؤية، أو مجموعة مواقف وأفكار لا يمكن لأي نص روائي أن يتحيدها. العيب هو في طريقة الكتابة، وفي ضعف المواهب، والاكتفاء بالسهل، والموافقة على إرضاء الآخرين بأية طريقة. روايات كثيرة مجدت الثورة البلشفية لا أحد يذكرها اليوم لأنها مملوءة بالشعارات، روايات كثيرة تحدثت عن القضية الفلسطينية لا أحد يذكرها أو يعود إليها لأنها مملوءة بالشعارات و(الهوبرة)؛ ولكن هذه وتلك كان لابد منها في وقت من الأوقات، وأصحابها أعدّهم ضحايا للزمن والظروف والإملاءات. عادة ما يطغى الشعاري والقولي على الفني والإبداعي في أوقات الأزمات، أو النشوة التي بولغ في التعبير عنها.

أنا غير ميال للموافقة على أن الشعر تخلص من المقولات الكبرى.. ما زالت الأحداث تتردد صدى كمقولات كبرى في القصائد. وقصيدة النثر العربي هي جيدة في بعض نماذجها وليس في كل نماذجها!

والروايات اليوم لا تأخذ مادتها من الأيديولوجيا، وذلك لأن أغلاط الأيديولوجيا في الأدب عموماً والرواية خصوصاً باتت فاقعة.

س6 حسن حميد، كيف يرى خصوصية الرواية الفلسطينية؟! ما هي ميزاتها؟! لا سيما وأن الشعر الفلسطيني أوجد هويته، بينما الرواية الفلسطينية تأثرت كثيراً بالجغرافية داخل الوطن الفلسطيني وخارجه؟!

ج6 نشأة الرواية الفلسطينية شبيهة بنشأة الرواية في مصر، وبلاد الشام عموماً. أي أنها لم تكن وليدة الكفاح المسلح الفلسطيني في أواسط الستينيات من القرن العشرين. صحيح أن عدد الروايات الفلسطينية اليوم أصبح كبيراً، ولكن الصحيح أيضاً أن هذه الصفة تنطبق على واقع الرواية في غالبية البلدان العربية.

للرواية الفلسطينية أحقابها وأزمنتها، ولها تياراتها، وموضوعاتها أيضاً. ليست كل الروايات الفلسطينية تحدثت عن الكفاح المسلح، أو جرح نكبة 1948، ولكن كان من الطبيعي أن تتحدث الرواية الفلسطينية عن هذه المأساة الكبرى التي تعرض لها أبناء الوطن الفلسطيني العزيز، مأساة لم يعرفها شعب في العصر الحديث إطلاقاً.

توجد الكثير من الأغلاط الفنية في العديد من الروايات والتجارب الفلسطينية، ولكن هذا لا يمنع من القول إنه توجد روايات وتجارب فلسطينية لا تقل شأناً وأهمية عن أحسن النماذج الروائية العربية. صحيح أن مصطلح الأدب المقاوم، اشتمل على الكثير من النماذج الروائية الرديئة فنياً ولكن يحق للكتاب الفلسطينيين أن يفخروا بأنهم أوجدوا أدباً روائياً رائقاً داخل مدونة الأدب المقاوم.. وقد باتت تجارب روائية فلسطينية لكتاب مثل: غسان كنفاني، جبرا إبراهيم جبرا، أميل حبيبي، رشاد أبو شاور، إبراهيم نصر الله، يحيى يخلف، وليد أبو بكر، أحمد عمر شاهين، من أساسيات المدونة الرواية العربية.

أما إن الشعر أوجد هويته، والرواية لا تزال متأثرة بالجغرافية، فإن الأمر يثير حفيظتي كثيراً. ذلك لأن جاهلاً (لا أود أن أسميه) قال قبل عشر سنوات أن للفلسطينيين اليوم شعراءهم وذكر محمود درويش، وسميح القاسم، ويوسف الخطيب، وخالد أبو خالد، وأحمد دحبور، وفواز عيد.. وأن لهم قصاصيهم، وذكر: سميرة عزام، وغسان كنفاني، ومحمود شقير، وخليل السواحري، ويوسف ضمرة، ورشاد أبو شاور، ويحيى يخلف،.. ولكنهم بلا روائيين، إنهم لا يكتبون الرواية، وما كتبوه كان رديئاً لأنهم (كما يقول ذلك الجاهل) لا يمتلكون المكان، فالمكان بالنسبة إليهم مجرد حلم، وأن الروائي الفلسطيني شبيه بالروائي الصهيوني الذي لا يمتلك المكان، والمكان بالنسبة إليه مجرد حلم! قلتُ لذلك الجاهل يومئذٍ وماذا نسمي ما كتبه أميل حبيبي، وغسان كنفاني، وجبرا إبراهيم جبرا، ورشاد أبو شاور، ويحيى يخلف، ووليد أبو بكر، ويوسف شرور؟! وإذا كنا لا نملك المكان فماذا نكتب غير المكان؟! وما الذي تقصّه علينا الجدات والأمهات غير المكان! آنذاك أحلت الجاهل إلى كتابات غالب طعمة فرمان العراقي الذي عاش في المنفى (في موسكو) والذي لم يكتب سوى المكان العراقي. قلت لذلك الجاهل آنذاك الشعب الفلسطيني مصاب بعلة فقد (المعيل) والمعيل عندهم هو الأرض، المكان.. لذلك فإن الروائيين الفلسطينيين يحلقون إبداعياً عندما يكتبون عن الأرض، عن المكان.

واحدة، يا سيدي، من أهم مزايا الرواية الفلسطينية أنها كتبت المكان كما لم تكتبه رواية من قبل، إنه من الطبيعي أن ينتفض الإنسان حين يلدغ بالنار؟

س7 كيف تنظر إلى التشابه والاختلاف في رسم صورة الآخر في الثقافتين العربية والعبرية؟! هل تعتقد أن القضية الفلسطينية قد أخّرت في فهم صورة اليهودي؟!

ج7 لا أظن أن اليهودي يحتاج إلى اكتشاف جديد. بين أيدي أبناء البشرية جمعاء (وحسب الاهتمام) مدونات تاريخية تخبر عن السلوك اليهودي، وعن الطبيعة اليهودية، وعن التعامل اليهودي مع الآخرين. اليهودي كيهودي شخصية مدركة الأبعاد، لها صفاتها ومميزاتها الواضحة جداً، لكن هذه الشخصية اليهودية باتت شخصية مركبة وذات حمولة دينية وسياسية وثقافية وعاطفية، وقد تناهبتها التأويلات اليهودية، والإسرائيلية، والصهيونية، والعبرية معاً.

معايشةً، نعرف اليهودي منذ أكثر من خمسة عشر قرناً، وتاريخياً نعرفهم من مئات القرون، وقد تبلورت (عبر هذا التاريخ الطويل) معطيات باتت أساسية وارتكازية في الشخصية اليهودية هذا من جهة، ومن جهة ثانية باتت للشخصية العربية مرتكزاتها ومميزاتها أيضاً، وقد تبدت هذه الصفات والمميزات وتجلت في الأدب، كانت تلح الروايات العبرية على وسم العربي بالجهل، والقذارة، والغدر، في حين تلح الرواية العربية على وسم الشخصية اليهودية بالباطنية، والخداع، والمكر، ونقض العهود والمواثيق، والمسكنة الكاذبة، والقتل والعدوانية (بعدما امتلك الكيان الصهيوني القوة)..

وهنا لعبت القضية الفلسطينية دوراً أشبه بدور المرآة فمن خلالها راحت الرواية العربية تشخص الشخصية اليهودية، وفي الطرف المقابل النقيض للفلسطينيين، راح الأدب العبري يشخص الشخصية العربية.

المشكلة هي أننا أمام تعريف لهذا المصطلح (الآخر)! فهل اليهودي هو (آخر) أم هو (عدو)؟! أعتقد أنه من السابق لأوانه أن نسمي اليهودي الغاصب للأرض، والتاريخ، والأحلام بـ (الآخر) الذي عليَّ أن أحاوره، أو أن أراه في صورة ليس فيها قتل، أو تدمير، أو أسر، أو سجن، أو اغتصاب. اليهودي لا يزال عدواً وسيبقى كذلك ما دام يستولي على الأرض، والحقوق، والتاريخ، والحلم.. وما دام قاتلاً وسجّاناً!

س8 حسن حميد الصحفي، وحسن حميد الروائي.. كيف ترى العلاقة بينهما؟!

ج8 العمل في الصحافة هو أقرب أشكال العمل للكتابة الإبداعية، لذلك عملت في الصحافة من أجل أن أعيش، وأخدم قضيتي الفلسطينية، بالصحافة أعبر عن أحلامي، وأعايش الناس. ولكن لابد من القول حقيقة أنني في حوار دائم ما بين الشخصيتين لأفكّ اشتباكاتهما فأنا أعمل على الشخصيتين كإطفائي.. أخمد حرائق الصحافة إن استغرقتني، واخمد حرائق الإبداع إن استغرقتني العزلة.

س9 هناك قراءة مختلفة في كتابك (البقع الأرجوانية).. للآداب العالمية. هل كان المثقف العربي مستلباً من قبل الثقافة الغربية؟!

ج9 ولا يزال!

هذا أمر طبيعي جداً لأنهم، أعني الغربيين، كانوا في القرون الثلاثة الأخيرة كل

شيء في الدنيا، شعراً، ورواية، وقصة، ومسرحاً، وتصنيعاً، وعمراناً، وتسليحاً، وغزواً…الخ.

ولكن بعد هذا الهدوء الذي تعيشه البشرية آن الأوان لمراجعة الكثير من الآراء النقدية حول تيارات الأدب (ما دمنا نتحدث عن الأدب) والثقافة، والإبداع، والفنون.. على أن تكون هذه المراجعة بأيدينا وعقولنا وبعد معرفة أهلها معرفة موضوعية لنقول أو لنعرف أين أصاب نقاد الغرب وأين أخطأوا كي لا نظلّ أسرى لما قالوه. بقولة أخرى أن نكف عن النقل، وننتقل إلى العقل، أي الانتقال من التقليد إلى العمل. أردت أن أورث شكوكي ووقفاتي النقدية لبعض العاملين في الجامعات العربية الذين يدرِّسون آداب الغرب من مقالات نقدية كتبها نقاد الغرب أنفسهم دون أن ينظروا فيها، دون أن يراجعوها.. وذلك لأنهم مشغولون بأمور أهم من التدريس والمراجعة (وقد غدوا دكاترا) كأن يصبحوا وزراء أو قادة، أو مصلحين اجتماعيين، أو فلاسفة.. ترى كم من النقاد العرب الذين طبّلوا وزمروا كثيراً لـ(جيمس جويس) يعرفون ما احتوته روايته (عوليس)؟! هل قرأ أحد منهم أسماء المدن الفلسطينية التي تتردد داخل الرواية فتساءَل لماذا هذا الحضور المكاني الفلسطيني في رواية مكتوبة سنة 1904؟! وهل أدرك أحد من نقاد العرب أن هرتزل مات عام 1905 أي في أثناء كتابة الرواية، وأن كتابه (الدولة اليهودية) كان يقرأ في بلاد الغرب بقداسة ومهابة؟! وأن السيرة الذاتية لـ(جيمس جويس) تخبرنا بأنه تعرف إلى ابنة طبيب يهودي تكفلت بـ (قبر) فقره في مدينة النور باريس؟! وأنها هي من سعى إلى تزويجه بـ(نورا باركنيل)؟!

والأسئلة ذاتُها أوجهها أيضاً حين يدار الحديث عن مارسيل بروست، وفرانز كافكا.. بعيداً عن الغلو، والتشنج، والمذهبيات المسبقة. من حق المثقف العربي أن يقرأ تلك التجارب الأدبية الكبيرة قراءة معمقة وكلية ليس من أجل المحاججة وإنما من أجل المعرفة الحقة كي لا يظلّ الغلط الابتدائي غلطاً أبدياً!

24
Feb

جوائز د. نبيل طعمة

   بواسطة: رئيفة

hasan-hamid

دائماً,

جعلتُ للتأييد رتبة و مقاماً.

ذلك لأن المرء, أنّى كانت رتبته, و أنّى كان مقامه يظل بحاجة إلى التأييد لأن في داخله طفل الفطرة الأولى يجول و يجول كي ينال التأييد, و يسمع الثناء, و يطرب لمعاني قولة سيدنا (و في الناس المسرة).

مرآة المبدع الناس, و أعماله هي الترسيمات التي تبدو في مراياهم… و إحدى أهم مراياهم و أكثرها جاذبية الجوائز… لأنها تشكل المواسم المنتظرة, و الرغائب المحلومة, و الوقفة الأعز مواجهة مع الناس و قد وعوا المكتوب, و أدركوا الإبداع…. مكانةً, و حضوراً, و اعتباراً.

أقول هذا, و أنا أرى فرحة الأدباء القدامى و الطالعين بمواسم التقدير التي باتت مواقيت ثابتة لتأييد الإبداع, و الحفر المعرفي, والسهر المضني, و الثناء على التجارب التي مستها عصا النورانية بضوئها المشتهى. رأيت ذلك في أثناء توزيع جوائز مسابقات وزارة الثقافة, و جوائز اتحاد الكتاب العرب التقديرية و التشجيعية, و جوائز دار الفكر للإبداع الأدبي, و جوائز المزرعة… و رأيتها أيضاً في أثناء حفل توزيع جوائز الدكتور المهندس نبيل طعمة… التي تمنح للمرة الأولى في سورية, و بزخم اجتماعي, وتقدير ثقافي, و تأييد مشترك ما بين اتحاد الكتاب العرب و دار الشرق للطباعة والنشر, و تعاون إداري نادر المثال ما بين لجان التحكيم, و هيئة الإشراف, و جهات التمويل.

و الحق, و قبل توصيف أسباب الفرحة الأدبية, و بيان دلالاتها و معانيها, ينبغي القول إن جائزة الدكتور نبيل طعمة انطلقت من الانشغال الفكري المشترك بين اتحاد الكتاب العرب و دار الشرق للطباعة… بوجوب تقدير المبدع العربي سنوياً من خلال تأسيس مشروع ثقافي يعمل على إحداث جائزة أدبية ذات قيمة معنوية عالية, و قيمة مادية غير مسبوقة في سورية… تأتي بالفارق المأمول الذي يرتجيه الكتاب و المبدعون وينتظرونه بعدما أنجزوا مكتوبهم و نهضوا بتجاربهم و عززوها… بحيث تشكل أمانة عامة لهذا المشروع الثقافي, و لجان تحكيم, و هيئة إدارية للإشراف, و احتفالية سنوية تصير موسماً من المواسم للثقافة في سورية… و قد تبلور المشروع بعد دراسة, و طول نقاش, و فترة إعداد, و ظهر للنور بدعم مشترك من قبل اتحاد الكتاب العرب و دار الشرق للطباعة…

و لا شك أن وراء هاتين الجهتين عقلين جمعيين عملا من أجل الثقافة و الإبداع, ومعاني الانتماء الوطني؛ و الأمر الذي لا بد من ذكره هو أن دار الشرق للطباعة وضعت ثقتها كاملة في اتحاد الكتاب العرب بوصفه بيتاً ثقافياً للجميع, و روحاً جامعة للمبدعين… و خوّلته بالإشراف على الجائزة و تشكيل لجان تحكيمها, و وضع معاييرها, و اختيار موضوعها سنوياً, و الاحتفاء بها… و ما كان كل هذا أن يتم لولا الروح المتعاونة التي أبدتها دار الشرق و الاستجابة الثقافية الكاملة التي أبداها اتحاد الكتاب العرب… و في هذا زاد وطني, و سمو معرفي, و إنجاز حضاري… يليق بالإبداع والمبدعين العرب.

و منذ بداية التفكير بمشروع الجائزة… كان التوجه بأن تكون الجائزة عامة وشاملة لجميع أجناس الأدب و النقد و الفكر و الثقافة, و أن تكون موجهة لجميع المبدعين العرب داخل الوطن العربي و خارجه, و أن دورتها الأولى في عام 2008 ليست سوى بداية, و إن كانت قوية و مؤثرة بكل المعايير و المقاييس, و لكن الطموح سيتجاوز هذه البداية… بحيث تصير هذه الجائزة عنواناً من أهم العناوين الثقافية السورية, و رائزاً رائداً من روائز الإبداع العربي.

في مواسم الجوائز, و في احتفالية توزيع جوائز الدكتور نبيل طعمة, رأيت الدموع تترقرق في عيون المبدعين الفائزين, دموع الفرح المشتهى في يوم التأييد المنتظر, و دموع الانتصار الذي تسعى إليه المواهب العالية, و دموع العرفان بالرعاية الكريمة. كما رأيت معاني الفوز و دلالاته أسطر شوق مكتوبة على الجباه التي شمخت بالظفر و هي تحس بنبل اليد و اخضرارها و هي تربت على الأكتاف المتداحمة في منافسة عنوانها الأبرز التقدم بشرف, و الفوز لم يكن ممايزة مالية و حسب, و إنما كان ممايزة إبداعية ستتجلى بطباعة الأعمال الفائزة و متابعتها نقدياً.

إنها احتفالية بالأدب و الإبداع و المبدعين, و بالثقافة و المثقفين, و بداية قوية للأخذ بأسباب النهوض الثقافي, و تثمير الجهد الإبداعي و روزه سنوياً من أجل التأييد الأبلغ أثراً و تأثيراً, و التقدير الأكثر نشداناً للكرامة الأدبية, و الإبداع الأبدى في التجليات و المعاني و الوظيفية.

تهنئة من أعمق قلبي للفائزين, و تهنئة مماثلة للعقل الجمعي الذي أشرف على الجائزة و موّلها, فسار بها كما تسير الأنهار وسط خضرتها البهّارة, و قراها الرانية, وطيورها المحوّمة… خطواً نحو المصبّات الدانية.


حسن حميد

أُعلن قبل أيام, عن فتح باب الترشح للجائزة للمرة الثانية و هي مخصصة هذا العام للشعر, و تحت عنوان (دورة نزرا قباني)…

و هي متاحة لجميع الشعراء العرب و جميع التيارات الشعرية.

24
Feb

ثريا الحافظ

   بواسطة: رئيفة

hasan-hamid

لا أظن أن امرأة عاشت حياة النضال و مقارعة المستعمر, و التوق إلى حرية المرأة, و الإنشداد إلى الثقافة و العلم, و محبة الأوطان مثل ثريا الحافظ. فهي المرأة المثقفة التي تربت في بيت علم و ثقافة و أدب و نضال, و درجت على هذا حتى غدا النضال رسالة حياة, و غدا العلم راية, و محبة الأوطان عشقاً, و حرية المرأة هاجساً يومياً.

عاشت ثريا الحافظ شقاوة اليتم بعد أن استشهد والدها أمين لطفي الحافظ في السادس من أيار 1916, فتربّت على ذكراه و قصص نضاله و جهاده مع رفاقه الذين مضوا معه في درب الشهادة و مقارعة المستعمر, و المناداة بتحرير البلاد و استقلالها, و جعلت من العلم و الثقافة سبيلاً للنضال لتحرير الوطن العزيز سورية, و المرأة السورية التي عانت من وطأة الأمية و التجهيل و الاحتباس في البيوت. فكانت في طليعة الفتيات السوريات اللواتي تخرجن في دور المعلمين, وكانت في طليعة النساء السوريات المجاهدات ضد المحتل الفرنسي, و كيف لا وهي ابنة الشهيد أمين لطفي الحافظ, و زوجة المناضل الكبير منير الريس شيخ النضال,, و شيخ الصحافة, صاحب المذكرات الشهيرة التي جاءت تحت عنوان (الكتاب الذهبي), و التي اشتملت على صفحات من تاريخ سورية النضالي لا تعادلها في القيمة و المعنى صحائف الذهب.

ثريا الحافظ تناوبت على السجن, و المطاردة و السؤال… مع زوجها منير الريس, فكان كلاهما نهباً للغياب الوطني من أجل الوطن, سجنت, و احتجزت بسبب نضالها و نضال زوجها, و كان سؤال الغياب مرّاً, تماماً مثلما كان جواب السؤال مرّاً ((أخذهما الفرنساوي)).

في حياة ثريا الحافظ صفحات من النضال و المجاهدة على دروب عديدة, في طالعها حيازة العلم و الثقافة, و مواجهة المستعمر الفرنسي بكل الوسائل والطرق: المظاهرات, الاعتصامات, الكتابات, البيانات, المناشير, الرشق بالحجارة, تعليق الدراسة و التدريس, التواصل مع الثوار في الغوطتين, عيادة الجرحى, كفالة الأيتام, المؤازرة المادية و المعنوية لذوي الشهداء, الأحاديث الصحفية, الكتابة الإذاعية…., و من دروب النضال التي مشتها ثريا الحافظ مع رفيقاتها… درب تحرير المرأة عن طريق تعليمها و تثقيفها و مساواتها بالرجل حقوقاً و واجبات. ومن الوسائل التي عملت عليها تأسيس الجمعيات و الروابط النسائية و الصالونات الأدبية… و منها (يقظة المرأة الشامية), و (جمعية خريجات دور المعلمين), و(دوحة الأدب), و (جامعة نساء العرب القوميات), و (الرابطة الثقافية النسائية), و (حلقة الزهراء الأدبية), و (منتدى سكينة الأدبي), و (النادي الأدبي النسائي)… و قد عرفت هذه المنتديات و الروابط و الأندية و الجمعيات نشاطاً ثقافياً بارزاً في التوعية و التثقيف, و التعريف بالتراث العربي الأصيل, و التراث الإنساني العظيم, و قد اجتمع على هذه المنتديات خيرة أدباء و مثقفي العربية في سورية والبلاد العربية, فقد أمَّ هذه المتنديات أدباء العرب الكبار أمثال: الجواهري, نازك الملائكة, محمود تيمور, طه حسين, عبد السلام العجيلي, فؤاد الشايب, ابراهيم الكيلاني, غادة السمان, كوليت خوري, حسين مروة, فخري البارودي, ميخائيل نعيمة, القروي, يوسف السباعي, أنور العطار, سليم الزركلي, عبد الكريم الكرمي, جبرا ابراهيم جبرا, أحمد رامي, فكري أباظة, أمين نخلة…

و بعد خروج المستعمر الفرنسي, كانت قضية العروبة, و قضية المرأة, وقضية فلسطين ثالوث القضايا الذي نذرت ثريا الحافظ نفسها و علمها و ثقافتها واجتماعيتها من أجل نصرتها, فقد كانت في طليعة المناضلات السوريات من أجل نصرة مصر العزيزة في أثناء العدوان الثلاثي 1956, أما قضية المرأة فقد أولتها كل جهدها و عنايتها و ذلك لقناعتها بأن المرأة هي المربية و المخططة و الباثة للروح الوطنية في المجتمع, لذلك لم تألُ جهداً من أجل تثقيف المرأة و نصرتها ومشاركتها في الحياة العامة شانها في ذلك شأن الرجل, و أما فلسطين, فقد كانت نكبتها ندبة الحزن التي لا تمحى وقد آل المصير الفلسطيني إلى الشتات و المنافي و المأساة الفاجعة… فقد كانت واحدة من نساء دمشق اللواتي عملن على تضميد الجراح الفلسطينية في المخيمات الفلسطينية في ضواحي دمشق, و هي التي أهدت كتابها (الحافظيات) إلى المجاهدات في سبيل تحرير فلسطين.

ولدت ثريا الحافظ سنة 1911 في أسرة دمشقية مثقفة, زوجها الصحفي الشهير منير الريس, و درّست في مدارس دمشق, و عملت في المقاومة الشعبية, و قادت حركة النضال النسائي في سورية, لها ريادتها في دعوتها لرفع الحجاب, والانخراط في الانتخابات النيابية ترشيحاً و انتخاباً, مثّلت سورية في العديد من المؤتمرات و الملتقيات الخاصة بالمرأة في البلاد العربية و العالم, كان صالونها (صالون سكينة الأدبي) أشبه بوزارة للثقافة و التوعية الوطنية و القومية, تركت لنا كتابيها: (حدث ذات يوم) و هو سيرة ذاتية لجهادها الوطني, و (الحافظيات) وهو سيرة الأحداث الوطنية, و الاجتماعية التي عاشتها سورية في أثناء كفاحها من أجل نيل أمرين عزيزين: الاستقلال, و الحظوة الوطنية البارزة.

حسن حميد

ثريا الحافظ:

بين ولادتها (1911)

و رحيلها (2000)

حياة وطنية, و مجد نضالي, و كفاح امرأة من أجل بلاد عزيزة, و رؤى محمولة على كف العطاء و العمل النسوي المتجلي في حضور المرأة و قيادتها للمجتمع.

24
Feb

بيوت غزية

   بواسطة: رئيفة

البيت الأولhasan-hamid:

جدران, و نوافذ, و أبواب, و سقف, و قطعة لباد, و مشاتل حبق و نعناع, وأبوان, و ثمانية أولاد, و مذياع, و تلفاز, و كتب مدرسية, و بطانيات, و فرش, وخريطة فلسطين منسوجة بالخيطان على رقعة خيش, سبحات معلقة على مسمار في الجدار, صورة لرجل شيخ (بالأبيض و الأسود), القرآن الكريم في حقيبة بيضاء مثل الثلج تعلو النافذة الخشبية, دالية في إهاب التبرعم, مدفأة تلملم نارها بالكفين, كلام,و نداءات, و أسئلة, أرواح تجري هنا و هناك, صخب الأطفال و مشاداتهم, وصوت الأم المتهدج يرجو الهدوء…..

فجأة, كتلة حديد, وهجة نار, تنقض على السقف فيتهاوى بعنف و ارتجاج مذهلين, تميل الجدران, تتداخل, تصير قطعة اللباد رداءً يقطر دماً لأطفال ثمانية وأبوين, و كتب مدرسية, و بطانيات, و فرش, و خريطة فلسطين, و سبحات ملونة, و قرآن كريم, و دالية مبرعمة, و مدفأة لا نار فيها, و تلفاز أخرس… و بيت لم يعد بيتاً لولا صوت مغنية يصدر عن مذياع بني اللون, يصرخ «نرفض نحن نموت».

البيت الثاني:

مساحة واسعة, جدران متآخية, شجيرات زيتون و ليمون و كرمى… و خلقٌ من البشر, أطفال, و صبايا, و شبان, و نساء, و شيوخ يتوافدون.. فيحتشدون تباعاً داخل المساحة الواسعة, و جنود سمان ثقال يرتدون الحديد و الكاكي… ينهرون, ويصرخون, و قد لفّهم الاضطراب, يأمرون الخلق المحتشدين بالوقوف قرب الجدار الطويل… ثم و حين يستقيم المشهد لهم… يطلقون الرصاص بجنون و عصبية, و هم يتقافزون لكأن الرصاص يصيبهم هم أنفسهم, و الأجساد, أمامهم, تتلوى, وتنحني, ثم تتهاوى, فيلوذ بعضها ببعضها الآخر قرب الجدار الطويل : رصاص صخّاب, و أصوات راطنة يحمس بعضُها بعضَها الآخر من أجل المزيد من القتل, و دمٌ يسحّ من تحت الأجساد المتعانقة, يجري مثل السواقي… خطا الجنود, و أحذيتهم الوالغة بالدم تنسحب بعيداً, و قد انطفأت الحركة, و تلاشت التأوهات, و الأنّات وهمهمات الأطفال التي تنادي الأمهات اللواتي احتضن الصغار الصغار, عيون مفتوحة مثل إيقونات الكنائس, و رؤوس مشقوقة مثل الأرغفة, و صدور تفور بدمها مثل النوافير, و أرض تسابق نفسها لاهثة كي تمتص الدم, كي لا تبدو الفاجعة أكثر…

و ركام عجيب يغطي الأجساد, و في المقدمة يد طفلة ترتدي معطفاً زهري اللون… متدلية مثل شريطة حرير علقت برسغها ساعةٌ خمريةُ اللون… عقاربها تدور, وفي داخلها ديك له عرف فجري اللون يهتز و ينتفض… لكأنه يوشك على الصياح.

البيت الثالث:

واجهة حجرية, و سقف توتياء, و شجرة كينا عالية, و حطام كثير, و نافذة غادرت حائطها عنوة, فتدلت نحو دالية العنب المعرّشة, و ابريق تنكي مال على جنبه بعدما ديس, و دمية بلاستيكية مقطعة, و ملابس مدرسية, و أقساط, و مناديل, ومرآة مكسورة, و حقيبة نسائية محترقة, و جرة ماء متشظية, و شجرة رمان دائرية الشكل دلت أغصانها قليلاً نحو الأرض كي ترتشف الدم الجاري… و كي تلجأ إليها بضعة طيور من الدجاج و البط, و كلبٍ صغيرٍ تبقّع لونه الأبيض بالدم, و ثلاثة أرانب سود, و قطة قمرية اللون, و في الطرف الداني يبدو قميص أبيض ممسوك من طرفه بحجرين أسودين, كُتب عليه بالدم: انتقل أهل هذا البيت إلى المشفى منذ دقائق, ومن هناك انتقلوا إلى المقبرة.. المعذرة, لا يوجد أحد!.

البيت الرابع:

عجوز فرعاء وسط غبار ينبعث عالياً, أجاعيدها هي كل وجهها, تبدو كأنها حاطبة الزمن… تقف في صدر كومة من حجارةٍ و رقاقةِ باطون مستطيلة, و حيطان متهدلة مثل قبة قميص… كانت قبل قليل تشكل البيت البادي في الصورة التي تحملها العجوز بيدها و تلوح بها, و صوتها المخنوق يهمهم: راح الولد, و راح البيت… و تدفع الصورة إلى الضوء بعيداً عن الغبار… فيبدو شاب طويل عريض يتصدر واجهة البيت المضاءة, لكأن البيت يشير إلى الشاب الذي كان, و لكأن الشاب يشير إلى البيت الذي كان أيضاً… و العجوز تحاول الصعود جاهدة نحو أعلى الكومة… و صوتها يتلوى بين سحب الغبار… شجياً:

ع الندى يا بيضا

شوفيلي حالك..

ع الندى يا بيضا

حالي من حالك…

ع الندى يا بيضا…

البيت الخامس:

حبل غسيل طويل مثقل بالثياب البالية الساكنة… و أحذية مغموسة بالدم مبعثرة هنا و هناك لكأنها كانت في طراد… و كلب يدور حول نفسه و ينبح نباحاً ليس هو كالنباح… و دم يقطر من آخر ظهره, إنه يدور مثل مروحة كي يصل خطمه إلى جرحه, و لكن هيهات!!…

ثياب بليلة بالحزن, مشدودة إلى الحبل… مثل شاهدة قبر… فوق جرف انهدامي, غار فيه البيت, و الأولاد, و الأبوان, و الجدة… و إلى جواره شارة سوداء كتب عليها بالدهان الأبيض:

الأب: محمد الداهش: لن يذهب إلى عمله في الميناء

الأم زينب العطية: لن تذهب إلى السوق بعد الآن

الأولاد الذكور و الإناث: علي, و سامي, و حسين, و حسن, و محمد, وفاطمة, و سمية, و آمنة لن يذهبوا إلى المدرسة ثانية لأنهم أخذوا الشهادة قبل قليل.

ملاحظة: الجرف الانهدامي من هندسة الـ F16.

البيت السادس:

قبة وسيعة ملوّنة يعلوها هلال نحاسي كبير تدحرجت على الأرض مثل كرة ثقيلة, ثم استقرت إلى جوار شجيرات الزيزفون المحاذية لساقية الماء الناحلة… قربها اثنان, شيخ قصير أشيب يرفع صوته مؤذناً الله أكبر الله أكبر… و شيخ قصير أشيب أيضاً… يحاول شد طرف سجادة بدت ألوانها المتداخلة… و لكن هيهات فالركام المتعاظم في علوه و امتداده يحول دون سحبها… يحاول مرة ثم مرة… و لكن السجادة لا تطاوعه, و الركام لا ينفك عنها… فيجالسها, و قد نظّف طرفها… ثم ينحني عليها ويقبّلها…

البيت السابع:

جرس فضي كبير واسع يكاد يضيء, و حبال غليظة مبرومة مشدودة إليه ربطاً, و دمارٌ هائل يبدي ما تحته من خشب صقيل عسلي اللون, و إيقونات سحّت ألوانها, و شموع مطفأة.. و ثياب القساوسة السود ابتلت بالدم…

هنا.. و في المقدمة تماماً , راهبة تنحني على صليب ذهبي اللون… رهّاج, ويدها… تجول في صدرها مثل بندول الساعة و صوتها الراجف يبحّ راجياً:

أبانا الذي في السماء….

حسن حميد

أريحا جديدة…

في غزة هاشم…

دم, و عويل, و نداءات خرساء, و دمار لا تقترفه سوى يد آثمة, و قلب أعمى, و قدم سوداء.