شفيق جبري
ندرة هم الذين لا يعرفون أديب الشام و شاعرها شفيق جبري, و ذلك لأنه أوقف حياته كلها من أجل العلم, و الأدب, و الثقافة, و التربية… و الناس. لم يتزوج, و لم يجر وراء ولد, أو جاه, أو منصب, و إنما نذر نفسه للعلم, و الرهافة, و الوطنية, و محبة الناس و خدمتهم.
ساهر اللغة العربية فأيّدها بالشعر و النثر, و عمل عليها في مجامع اللغة العربية, و كتب عنها في الصحف و المجلات, و ألّف فيها الكتب, و درّسها في الجامعة, و انشغل بمناهجها واختيارات نصوصها, و قرأ أعلامها (الجاحظ, الأصفهاني, أحمد شوقي, المتنبي, الشريف الرضي) قراءة العارف المتبصر, و غنّاها شعراً.
وطنيٌ كبير, حملته وطنيته و ثقافته لأن يكون واحداً من أعلام الشام الكبار الذين أنيطت بهم مسؤوليات جمة في وزارة المعارف, و مجمع اللغة العربية, و جامعة دمشق, و دائرة المطبوعات, فكان المثقف المجلي الطامح إلى المزاوجة ما بين آداب العربية و تراثها الأصيل و آداب الشعوب الغربية المتقدمة.
عاش مآسي الأمة العربية و صروف الدهر التي نكبت بها خلال القرن العشرين, فقد شهد إعدام الوطنيين العرب في عام 1916 على يد جمال باشا السفاح, كما شهد دخول الفرنسيين إلى سورية و احتلالها عام 1920 و استشهاد البطل يوسف العظمة, و تحطيم الحلم العربي بالاستقلال الوطني عن الدولة العثمانية, و عايش نكبة فلسطين و تهجير أهلها و طردهم إلى المنافي العربية و قيام الكيان الصهيوني, و وعى سياسات الأحلاف و الاتفاقيات الاستعمارية التي أرادت ربط البلاد العربية بمقاليد السياسة الغربية… فتفجرت قريحته الشعرية قصائدَ وطنية رائعة, ومشت به ثقافته الموسوعية إلى المنابر فحاضر في الموضوعات الوطنية, والقومية, و الإنسانية, و تحدث عن أعلام العرب و رجال النهضة… توثيباً للهمم و دفعاً للنفوس كيما تشتد عزائم الثائرين للخلاص من هيمنة المحتلين الطغاة.
حياة مديدة عاشها شفيق جبري, كلها كانت جهاداً في سبيل عزة العرب و وطنيتهم, و في تمجيد لغتهم العربية بوصفها أهم عناصر الهوية القومية, و في تعزيز جبهة العلم و الثقافة, ودك مستتبات الجهل و الأمية و الاستسلام و نسفها من جذورها البغيضة.
ولد شفيق جبري عام 1898 في حي الشاغور الدمشقي الأصيل الذي انطلقت منه أول رصاصات الثورة باتجاه المحتل الفرنسي عام 1920, في أسرة دمشقية عريقة عرفت بعملها في التجارة. التحق شفيق جبري (بكتّاب) الحي فحفظ القرآن الكريم, و بعض الأحاديث النبوية الشريفة, و مبادئ القراءة و الحساب, فبرع و ناف على أقرانه, بعدئذٍ ألحقه أبوه بمدرسة (العازاريين) المدرسة الدمشقية الخاصة الأكثر شهرة آنذاك, فتعلم علوم العرب والفرنجة, و أتقن العربية, و الفرنسية, و شيئاً من الانكليزية…. إلا أن اهتمام المدرسة بالفرنسية جعله يتقن الفرنسية أكثر لذلك لجأ إلى تثقيف نفسه بنفسه كي يتقن العربية أكثر, فدرس أعلامها (الأصفهاني, و ابن عبد ربه, و الجاحظ, و الحريري, و الهمذاني, و ابن المقفع, و التوحيدي,…) و وقف طويلاً عند شعرائها الكبار (المتنبي, الشريف الرضي, البحتري, أبي تمام, ابي نواس, امرئ القيس, النابغة, الشنفرى, أحمد شوقي, حافظ ابراهيم…) و عبَّ من تاريخ الأمة وقفاً عند أعلامها المؤرخين (الطبري, الواقدي, ابن الأثير, ابن خلدون…) و امتدّ نحو الثقافة الغربية فقرأ بالفرنسية (فولتير, و مونتسكيو, وفيكتور هوغو, و موليير, و راسين, و أناتول فرانس, و بلزاك, و فلوبير, و جان جاك روسو,…) و بذلك اغتنت ذات شفيق جبري بثقافة موسوعية نادرة المثال و المعنى, و قد صبها جميعاً في عقول الطلبة الذين درّسهم في جامعة دمشق من جهة, و في المناهج و الكتب المدرسية التي أشرف على إعدادها و إصدارها من جهة ثانية.
و بعد, فإنه ليس الشعر من خلَّد حياة شفيق جبري و تجربته و حسب, و إنما هو حراكه الثقافي, و خطبه, و مقالاته, و حضوره الأهيب بين الناس في كل خطب و حادثة, ها هو يقول في عيد شهداء أيار و قد وقف أمام قبور المناضلين الأباة:
“يا رجال الوطن, إن هذه القبور لا تحتوي على لحم… إنها تحتوي على فكر خالد لا يموت, هو فكر التضحية, فكر دمشق, فكر سورية كلها”.
و ها هو يقول مناهضاً سلطة الاحتلال الفرنسي سنة 1935:
“إن السياسة الأجنبية في هذه البلاد لا تستطيع أن تضع أيديها إلا في أيدي هذه المخلوقات الواطئة, انظروا إلى هذه الرياسات القائمة في البلاد: رياسة عنيفة مفتتة وسخة, مائتة الدماغ, مفلوجة الشعور, مشلولة الحس”.
و يصرخ بملء الصوت:
“أيها الناس صمموا ألا تكونوا عبيداً تصبحوا أحراراً”.
شفيق جبري أديب, و تربوي, و مثقف, و وطني, و شاعر… أعطى الشام ذوب فؤاده, وخلاصة عقله, و مجد تجربته, والطيبات من الثقافة التي حازها.
حسن حميد
من مؤلفات شفيق جبري:
· المتنبي مالئ الدنيا و شاغل الناس
· الجاحظ معلم العقل و الأدب
· العناصر النفسية في سياسة العرب
· بين البحر و الصحراء
· الأغاني
· الأصفهاني
· أنا و الشعر
· أنا و النثر
· أرض السحر
نوح العندليب
