أرشيف القسم: ‘خالد ابو خالد’
العوديسا 3
العوديسا
قال الفتى
قال الفتى
” كتابة ثانية “
إلى مراد السوداني وبحارة العوديسا
قال الفتى :
سميت باسمك .. وارتفعت إلى سمائك
شيعتني نجمتي .. فطويت أجنحتي ـ سأشقى
قيل لي .. ويقال من سغب فضاؤك
أنت من ضوء وقلبك ساطع
بيتي على ظهري وامتعتي مبعثرة وشعري من ركام
جاؤوا جميعا فاحتفلت بهم أضاؤا
سوف أحملهم على كتفي دهرا قادما وأزين السقف
الشفيف بهم ليزهو موتهم وعلى الأكف رفاتهم
ودمي المُسجى بين قنطرة العبور وبين رفرفة الحمام
نصبوا مواكبهم فقدمني غنائي
يستريح على الشواهد.. ليلهم واصيح ياوطني أغثنا
أنصتوا وتزاحموا كيما يقوموا..
أوغل الليل المعرش بالنجوم أعود.. محمولا على دمهم
وتحملني رياح في الرياح رايت حنائي ..يفيض على الغمام
حقلي يوزعني على أسمائهم وأنا ضحى طير يؤهلني لأبكي
أو يعلمني دلالات الكلام
ولقد كتبت
وفي فمي ماء وسكين كتبت وداخلي بوح يلاطم
فالدروب إلى الكتابة كالدروب إلى القرى
ماذا رأيت.. ولا أرى
واريد داري والقليل من الهواء ..
قال الفتى :
“سامحت من دلوا علي”* فقلت تخطىءُ
لا تسامحهم ولا تصعد لتصلبْ
قال الفتى
ياليتني حجر أليف في المهاجر إذ تغربني
لا مشي في الشوارع من زجاج البار للمقهى
ومن مقهى إلى مقهى لأنس في شوارعنا دمائي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*إشارة إلى قصيدة يوسف المحمود
قال الفتى
لكنني حجر وتقذفني الطفولة في المدى المجدي
أنا حجر ومن لغتي الجميلة يبدع الشعراء زلزالا
يصب الموت في الموتى ويأخذ شكله الأحياءْ…
حجر يفاجى مايرى ـ شعر حداثي ـ كرؤيا
الوقت من حرية أخرى كتطريز على الثوب الفلسطيي
أدهشهم بأني لم أزل بعد الفتى العربي محترف الدروب
تنوعت قصص الحبيبْ
حجر غريب قام من نوم قصير
صاح يا أمي خذيني.. علقت قمصان أخوته عليه
فشيعوا إفطارهم لغد سيأتي ـ هل هو الياقوت
سر غامر باحت به مدن ممزقة وتنهب
قال الفتى :
حاصرت أعدائي خذوهم حيثما وجدوا – منهل
نهضت على صبح … أرامل من حصاد الدم والفوضى
كأبهى مايكون الورد أجمل من شغاف الوجد
فاحتكم الطفيلون للأعداء وانتظروا لنذهب
قال الفتى
حجر وحيد لا يكيف حزنه .. أو صمته … أو يشتري الفرح المزيف والفتى شبابة جذلى
ـ ـ يقول ـ العز وقفة فارس والليث وصف ٌللذي افترس الحديد مزغردا
سيف ورمح طالعان من الندى
بين الحواجز والجسور على الردى
حجر شريد جر من منفى إلى منفى
ولم يصل البريد
قال الفتى ويقول طوبى للمنازل بعدما درست
وغيبها الغبارْ
وصل الغريب لأهله والأهل للشجر الشهيدْ
طوبى بحجم العيدْ
وجع بحجم الكون حزني اللون لوني من دمي
ودمي ترابك أنت روحي جبهتي الأولى
القصيدة جبهتي الأخرى ـ دم سيديم دورته
ونارْـ
سميت باسم حبيبتي من لم تودعي ولا خذلت خطايْ
سميت باسمك أنت سيدتي وأمي
أنت مرضعتي وحلمي أنت أختي
للتراويد الجميلة أرفع الأنخاب
يارمانتي الحبلى وياشمس القلاع
لكأنني حلم ” كأن الريح تحتي ”
لكأنني خفق الشراع قلت تحملني دماؤك
قلت يحملني أسايْ
سأصوغ منها مايدفئنا ويحرسنا يمانا في الجمان
وأطير نحوك بالحنين وفي الحنان
سأصوغ رملا للشواطىء تربة للبرتقال
كصخرة في وجه جرافاتهم جسدا وقلبا
سأصوغ أجوبه ودربا
سأطوف ياأمي مداي وليس من أحد سواي
قال الفتى
لشوارع المدن القديمة والجديدة
قال طوبى ـ للمرافىء في المرافىء حلمها
وأنا على شوقي يداي
ماقلت غادرني هوايْ
سأقول طوبي مرة أخرى لأمي وهي تهجس بالمقاوم
قال الفتى
انحدر المقاول عن جبالك حيث تنتشرين
في الرؤيا وفي وجعي وناركَ
جمر يراوح في الحناجر كي نغني
قال الفتى أني بكيت مع السحاب على تقاسيم الربابُ
ولقد رحلت فلوحت غزلان روحي للغزالة
للذي يأتي .. فجاءْ
فجر وأدخل في السماء فدثريني
شعر بلى شعر وأدخل في يقنيي
ها أنت روحك في يديك ولست وحدكْ
قال الفتى
ها انت جمرك تحت جلدكْ
ليل وبيتك من شظايا
موت وعالمنا مرايا
يتنكر الأعداء فيك وتحت ظفركَ
خلف ظهركَ
من أمامكْ
روم وينتشرون حولكْ
قال الفتى
طوبى لسيدتي البهية والسلام لهاإذا اشتدت حرائقها
وطوبى للدماء
طوبى برغم برودة المنفى
وطوبى للذي غسلوه قلبي شاهد سيقول
طوبى للرسائل في السنابل والسنابل في
الرسائل
قال الفتى طوبى
واقلع نحو نجمته على الأشعار والأسفارِ
طوبى للمكان وللزمان وللشقائق
من روحها روحي ولي من بوحها التذكار
لي حبر الكتابة مفرداتي وجهها قمري
الأغاني والنخيل .. لي الروابي والكروم
ولنا ختام القول في فوضى الفتاوى
قال الفتى
ولنا السلام إذا احترقنا والقيامة
لي ماؤها وخيالها أحلامها
ولسيرة العشاق نخب من زنابق
خالد أبو خالد
معلقة غزة
خالد أبو خالد
معلقة غزة على أسوار القدس إلى الصديق والسند أبو كريم
لنخيل غزة .. ما أراد … ومايريدُ
وما أريدْ..
لنجومه الأصفى .. تكون قصديتي قمراً
وبيتا لانتصار البر .. في لغتي ..وزيتوناً …
ودارْ …
بيني .. وبين البحر قتل دائمٌ
بيني .. وبين القدس نيران مركبةٌ
ونارْ..
أنا حارس الحلم النبيل على شبابيك البيوتْ..
سأعود في نارنجة حلمت طويلا بالجليلِ
أعود كي اجد الخليل .. لأصطفي قلبا لداليةٍ
تموتُ …
ولا تموت غزالة .. قطعت على الصيادِ
نشوته .. ووزعت الشظايا .. فانتهى
الصياد في نعش القتيلْ …
لنخيل غزة أن يرى .. ماسوف يحدثُ ..
أو جرى .. لدم المدائن .. والقرى ..
بين الرصاصة .. والقذيفة .. والوريدْ..
لسماء قريتنا تغني نخلة في القدس – عاليةَ
الجبين – ولا تؤرقها القصيدة .. أرقتها
وردة المعنى .. تؤرقها الطفولة في الحريقْ..
ويحيلها الموت المفاجىء جملةً
في دفتر الشعراء .. أو صحف الصباحْ..
لربيع أطفالي الربيعُ..
لزرقة البحر المسافر في دم المرجانِ
والهندي أخضرْ ..
أروي الحكاية .. والحكاية بين مذبحتينْ ..
مذبحة الجميلة … والجميلْ ..
وكسرة الخبز المغمس في الردى ..
زيتا … وزعترْ..
أروي الحكاية للرعود … وللبروقِ ..
وللرياحْ ..
إني أخاصر بئرنا الأولى .. لأدبكَ
خارج النثر المرواغ في السياسيَّ البليغِ ..
أو البليد ..
لنخيل غزة .. أن يحاكم في الرمادي الشقيقِ ..
رماده .. ليظل أسودْ ..
أنا في الرماد نهضت مرات بأجنحتي ..
وفي النيران .. أنهضْ ..
أنا لي من الأحلام .. أحلامي .. بما يكفي ..
لأصمدْ ..
أنا لي من الألوان .. لون صواعقي .. والأفق أحمرْ ..
كان المقرر أن أموت .. فلم أمتْ ..
كان المقرر أن يغيِّبني الرحيل .. فلم أغبْ..
كان المقرر أن أعيش مجرداً من ذكرياتي ..
أن أكون كشاخص الإسفلت .. منسياً
وأنسى ..
ومىضى المقرر في الدخان .. وصار رمسا
لقلاع عكا .. أن ترى دمنا . . وتشهدْ..
نمت البطولة .. في الطفولة حالةٌ ..
كبرت لنصعدْ ..
أما الضفاف .. فللضفاف .. ولمن يموتُ
على الضفافْ..
ويظل حيا نهرنا المتدفق العاري .. المصفَّدْ …
الريح أجمل بالغناء .. الريح يحملها الغناءٌ
إلى الغناءِ ..
وأنتِ موسيقى .. وأجملْ ..
أنتِ للِشقِّيق أعراس .. وللأعراسِ
أجراس .. وبيدرْ..
لنخيل غزة وحده جدلية الرؤيا .. ومعرفةُ
العدو من الصديقْ ..
وهو الذي فضح الجريمة .. والجنونْ ..
وله الدخول إلى الصدى .. وله المدى
وله جمال القادمين إلى العريش .. الذاهبينَ
إلى صلاة الفحر .. في القدس السعيدةِ
في البعيد المخمليْ ..
وله نشيدي في النشيد المطلق الأبديِّ
في لغتي البديلةِ ..
أنا لي شمالي في الجنوب .. ليَّ الجهاتُ
جميعها .. وليَّ الفصولْ ..
لجنوب موالي .. مواويل الغيومْ..
لشمال موالي .. مواويل السهوبْ..
ولغرب موالي .. مواويل الجبالْ..
ولشرق موالي .. مواويلي تؤولْ ..
لنخيل غزة ـ طاهرا كالزنبق البري ـ أذهبُ
في مواويل الطفولةِ …
لجمال سيدة تساهرها الدموع .. على الشموعْ..
لبرتقالتها الكريمة .. برتقال الشمسِ ..
ـ في العسل الجليلْ ..
سر إئتلاف السم في الدفلى
مع الورد الحنونْ ـ
لمساء قهوتها .. الحضورْ
ليَّ الأغاني تحت شرفتها .. جبال في البعيدِ ..
تعيش في السحب البعيدة .. والغموضِ
الأجمل الشتوي .. في الزمن الطروبْ ..
لجمالها نفرت قصائدها خيولاً في الخيولْ ..
ولأنني دمها .. اشتعلت محلقاً نحوي
لتشتعل النسورْ..
لنخيل غزة .. أن يساهرها .. على البلح الطهورْ..
وله المساحة ..والنوافذ كلها ..
حرية الإبداع في الزمن الجسورْ ..
لحريق أهلي .. صورة .. أو صورتانِ ..
وصورتان .. وصورتان .. وصورتانِ
وصورتانْ ..
أهلي الغلابا .. طيبونْ..
وبعض أهلي يغلقون علي بابي
في الزمان .. وفي المكانْ..
وبعض أهلي … بيدقٌ في المهرجانْ..
وبعض أهلي في قصور الملحِ
بعضٌ في الحصار .. يحاصِرون عدونا ..
فيُحاصَرونْ ..
وبعض أهلي .. ضالعون مع العدوِ
وكالقطيعْ …
وبعضهم زرع الكراسي .. في الكراسي ..
واشترى بدم الطفولة صولجانْ ..
لنخيل غزة أن يحاكم بعضهم في الضوءِ ..
أو قبل اكتمال الليل .. في ليل يخونْ ..
لكتابة القلب المعلق ـ للصبي .. وللصبية ـ
بالقلوبْ ..
لكتابة تجد انتشاري .. في المنافي .. والدروبْ ..
وكتابةٍ .. كشفت .. مرارات الحروبْ..
لفجيعة الزمن المؤقتْ..
وجدت كتابة شاعر … منذورةً
كيما تزول الفاجعاتْ..
وأنا الكتابة ـ لو تنافر معنيانِ ـ
دم الكتابة في الكتابة .. لو تآلف معنيانْ ..
شجر .. ومفتاح الكتابة .. نور أمي ..
ثوبها والشمعدانْ …
لنخيل غزة أن يحمِّلني عليَّ ..إلى المقدَّس
أن يعلمني القراءة .. والكتابةِ ..
أن يقدمني إلى المعنى / نخيلا في النخيل / لكي
أرى المبنى .. وأشتق الجميلْ..
لطيور غزة قوة الأشياء .. خاطَرَها
السحاب إذ استجبت .. أو استجابْ..
طير الحمام على القُبابْ ..
برج القيامة ناطر .. يوم القيامةِ
في النخيلْ ..
يوم العبور إلى السواحل .. والبحارْ..
لنخيل غزة ميجانا .. ياميجانا الحزن الخضيلْ..
لنخيل غزة أن يلم صغاره .. في العيدِ
في الفرح البسيطِ
له على البرق المؤجل … موعدانِ
فموعدٌ لصغاره الناجين .. من زبد الدمارْ ..
وموعد يضع الحدود لم يؤنسن ذئبةً
باسم الذهاب إلى السلامْ..
لنخيل غزة أن يراسل صخرة في السِّنْدِ
أو نخل العراقْ..
لنخيل غزة بوصلات الدم .. في جسد البراقْ
لنخيل غزة أن يقاطع مايروِّجه العدوِ ..
وماتروِّجه المزارعُ
أن يحاور كل من جاؤوا إليه من الشوارعِ
كل من وصلوا إلى الفعل المضارعْ ..
أنا لايؤرخني الغزاةُ
ولايؤرخ طفلتي عبد الغزاةْ ..
إني أؤرخ في البلاد .. لما تؤرخه الجيادْ..
وماتشكل بالحديدْ ..
وبالرمادْ..
الروضة ـ وادي الأردن
19/3/2009
أزمة الشعر العربي الحديث
خالد أبو خالد
أزمة الشعر العربي الحديث
إذا كان الغرب – الأوربي تحديدا – يطرح في اشكاله الإبداعية على قاعدة من التنظير النقدي، والدراسات النقدية،مااصطلح عليه بأنه / مابعد الحداثة/ فإنه إنما يفعل ذلك في سياق حركة تطور في الأدب والفن، وعلى قاعدة مايمكن اعتباره محصلات. وصلت إليها الحضارة الغربية التي كانت استعمارية في أدائها منذ القرن الخامس عشر ـ إلى مابعد عصر النهضة، وصولا إلى الدمار الذي احدثته في بنية نتائج الحربين العالميتين الأولى والثانية وماترتب عليها من انحسار ـ الاستعمار القديم في بلدان مانصطلح عليه بالعالم الثالث وفي توطيد ظاهرة الاستعمار الاستيطاني في كل من القارة الأمريكية، واستراليا وهي ظاهرة أنتجت شكلا جديدا من الاستعمار هو مانصطلح عليه بالاستعمار الجديد، الذي كان من أشرس مظاهره /الحرب الباردة/ التي كان الغزو الثقافي في صلب برامجها… لأنه اعتمد أجهزة المخابرات والاستخبارات حاملا رئيسا لهذا الغزو.. حيث استطاعت هذه الأجهزة استقطاب مثقفين كبار في إطار بناء شبكة من العلاقات الثقافية الممولة في إطار منظمة حرية الثقافة ـ إحدى مؤسسات المخابرات المركزية الأمريكية التي روج العاملون في شبكتها التي غطت أوربا والعالم لمقولتها الأولى والأساس.. والتي عبرت عنها / مجلة شعر اللبنانية / بفصل الأدب عن السياسة… في الوقت الذي كان واضحا فيه أن هذه الدعوة إنما استهدفت في ما استهدفت فصل الالتزام في الأدب والفن بقضايا حرية الشعوب في نضالها من أجل تحررها من الاستعمار القديم… ومواجهة هجمة الاستعمار الجديد.. وهي حالة وجدت من يستجيب لها في الوطن العربي تحت يافطات من مثل التجديد، للفن النبيل… وما إلى ذلك من مقولات لم تصمد بسبب من ظهور الفضيحة فيما يتعلق بمصدر تمويل هذه الدعوة وأغراض القائمين عليها فقد ظهر أيضا أن مثل هذه الدعوة ـ مدفوعة الثمن المالي ـ إنما كانت دعوة سياسية تحت زعم العمل على فصل الأدب والفن عن السياسة، وراجت في بلادنا معايير نقدية تستمد خصائصها من معايير النقد الغربية فما يتعلق بأشكال الإبداع خاصة الشعر… وقد ثبت أن هذه المعايير تنتمي إلى عالم مختلف وتنطبق على أشكال من الأدب والفن مختلفة،وبغض النظر عن الخطأ والصواب فيها، إلا أنها كانت تدعو مبدعينا ونقادنا إلى التغرب والتغريب مما أحدث شكلا من أشكال التشويه في إبداعنا الشعري تحديدا ولم يكن ممكنا أن يكون هو صورة الإبداع الشعري العربي في حركته الجديدة إذ ولدت حركة الشعر العربي الجديد كمحصلة من محصلات التغيير الاقتصادية السياسية الاجتماعية التي أحدثتها النكبة العربية في فلسيطين عام 1948 حيث كان تأثير هذه النكبة عميقا في الحياة العربية على كافة مستويات بينتها… إذ أدرك الشاعر العربي في ضوء ذلك ضرورة مواصلة التأسيس الإرهاصي بهذه الحركة والذي كان قد بدا منذ أواسط الأربيعنات حتى وصوله إلى مرحلة البلورة في السنوات التي أعقبت النكبة فظهرت قصائد نازك الملائكة وبدر شاكر السياب. وادونيس، ويوسف الخال وصلاح عبد الصبور ونزار قباني كحالة من الريادة الأولى للتجديد الشعري على مساحة تمتد من العراق إلى مصر مرورا بلبنان وسورية، مؤثرة في المساحة الأوسع للمشهد الشعري العربي على امتداد الوطن العربي من الماء إلى الماء…..
وقد بات واضحا منذ ذلك الحين أن التجديد الشعري لايأخذ شكلا واحدا لدى مجموع هؤلاء الشعراء ولكنه اختلف من شاعر لآخر دون أن يؤسس على قطيعة مع الموروث الشعبي التقليدي.. إذ أخذ التجديد في هذه التجارب عددا من الصيغ تنوعت من شاعر لآخر لكن عددا من هؤلاء الشعراء راح يدعو إلى قطيعة مع الماضي للوصول إلى المستقبل ومن هنا فقد عبرت هذه الظاهرة عن نفسها بظهور تيارين / الأول مثلته مجلة الآداب البيروتية التي رأس تحريرها / د. سهيل إدريس / وكان هذا تيارا يتمحور حول الهموم القومية والالتزام بها وبحركة الأمة في تقدمها على صعيد مواجهة الاستعمار القديم والجديد والالتزام بمنظومة القيم التي تطرحها حركة الواقع العربي على المبدع والإنسان بصورة عامة مما يجعل منهما معا موضوعا واحدا في القصيدة الحديثة التي أخذت من الموروث مايناسب تخففها من التفاعيل… أو مجزوء البحور على مستوى الشكل الشعري.. ومن اللغة وتراكيبها في محاولة للوصول إلى لغة شعرية لم يألفها المتلقي.. ولكنها ليست ولا تكون غريبة عنه أو عليه….
أما التيار الثاني الذي كان سياسيا في جوهره وليس في دعوته التنظيرية فقد مثلته مجلة شعر التي لم يستطع بعض شعراءها الانسجام مع التنظير لفصل الشعر عن السياسة، فواصلوا الكاتبة إلتزاما / بمعركة الجزائر / على سبيل المثال لا الحصر، ومن ثم اضطروا إلى مغادرة مجلة الشعر إلى مجلة الآداب فكان منهم / السياب / وسلمى الخضراء الجيوسي / ومحمد الماغوط…. بيما واصل الباقون نهجهم حتى توقفت المجلة عن الصدور، بعد انكشاف فضيحة التمويل الاستخباراتي الأمريكي… في إطار منظمة حرية الثقافة التي كانت تمول أيضا مجلة انكليزية مهمة هي / الإنكاونتر/ التي كانت تصدر باللغة الإنكليزية، ومجلة أصوات التي كات تصدر في لندن باللغة العربية.. ومجلات أخرى هنا وهناك غير أن جان بول سارتر استعصى على التجنيد لكنه لم يأخذ موقفا مضادا لنهج منظمة حرية الثقافة، أو لم يصلنا مثل هذا الموقف..
بعد ذلك قامت فلول مجلة شعر بالترويج لما نصطلح عليه بأنه ( قصيدة النثر ) ولم يكن هذا النص مستوى واحدا… أو حتى مستوى من الأداء المتفوق… إذ راوحت مستوياته بين مستويات المجتهدين لبلورة نص متقدم وبين تجارب كان الاستسهال أهم مايميزها وهي تجارب جرى تشجيعها والترويج لها في شرق الوطن العربي ومغربه على أرضية الصراع القائم بين الأمة بحركة جماهيرها وبين المعسكر المعادي لها خاصة بعد العدوان الثلاثي على مصر…. إثر انتصار الأمة في معركة الخمسينات المجيدة في مواجهة حلف بغداد… ولم يعد ممكنا النظر إلى حركة الشعر العربي الحديث باعتبارها حركة واحدة… وإنما أصبحت حركة متقدمة يقوم بالتشويش عليها ومحاولة تخريبها دعاة القطيعة مع التراث… والداعين إلى / قصيدة النثر / باعتبارها الشكل الأكثر تطورا والنهائي في هذه الحركة.
ولم ينكر شعراء الحداثة العربية على أصحاب هذا الشكل ـ حقهم في التعبير بكل أشكاله لكنهم رفضوا الاستسهال الذي خلط الغث بالثمين، كما رفضوا المقولة التي تجعل منه شكلا نهائيا للشعر من جهة، وفصل الشعر عن السياسة من جهة أخرى.. وكات المحصلة أن انحسرت هذه الموجة من الكتابة دون أن تترك تأثيرا يذكر في إطار حركة الشعر العربي الحديث وإن استطاعت أن تقدم نصوصا متقدمة من مثل / مونادا دمشق / لمحمود السيد.
بحلول كارثة حزيران 1967 كان شعراء الستينات قد أرسوا قواعد القصيدة الحديثة التي اعتمدت ( التفعيلة ) منهجا ورسموا صورة جديدة للقصيدة الحديثة، ولكن هزيمة حزيران وما أحدثته من زلزال في الواقع العربي… والحياة العربية من بعد أثمر في جمهرة واسعة من الشعراء العرب الذين أصبحوا شعراء فلسطينيين من حيث مضامين قصائدهم دون أن يغفلوا هم التجديد في ادائهم الشعري بحيث غدت قصيدة الستينات والسبعينات والثمانينات والتسعينات وصولا.. إلى قصيدة اليوم بشعراءها الستينيين ومن التحق بهم من الأجيال الشعرية التالية مشكلّة لمشهد الشعر العربي الحديث والمعاصر.. في مساحته الأوسع.
وبالتوازي واصل شعراء العمود الشعري حركتهم التجديدية داخل العمود الشعري ممثلين بشعراء من مثل / نزار قباني / و / عبد الله البردوني /.
أما في المقابل.. وبعد أن نشطت حركة ترجمة الشعر العربي والشعر الأمريكي والأمريكي اللاتيني وشعر شعراء المظومة الاشتراكية فقد نشطت تحت تأثير هذه الترجمات حركة / قصيدة نثر / من نوع مختلف… إذ بدت هذه الكتابات بمجموعها كما لوكانت نصوصا مترجمة تحتمل أن تننسب إلى كتاب أجانب… ولا تحتمل أن تنسب إلى كتابها.. وعرف هذا النوع من الكتابة مرة أخرى بالكثير من التجارب التي استسهلت هذا النوع من الكتابة حيث اصبحت ساحتها مفتوحة لكل من يحسن القراءة والكتابة خارج الضوابط النحوية واللغوية مما جعل المتلقي الجديد غير قادر على التمييز بين الشعر واللاشعر… مما ألحق أضرارا كبيرة بعملية التلقي خصوصا وان شريحة واسعة من شعراء التفعيلة لم يستطيعوا أن يتجاوزوا في تجاربهم عامل سقوط القصيدة خارج العملية الشعرية خارج الشعر…
وهنا برزت أزمة قصيدة التفعيلة لتمثل إشكالا لم يكن قائما لدى روادها.. أو لدى معظم شعراء الستينات اللذين واصلوا حتى يومنا هذا… وظهر من بين الصفوف من أصبح صاحب قدرة على احتراف الكتابة كما لوكان من أولئك العموديين الذين كتبوا خارج الشعرية وروح الشعر فأنهوا تجاربهم بأيديهم… قبل ان تنهيها حركة القصيدة الحديثة المؤسسة على مجزوء البحور أو التفعيلة… وهكذا تتجلى الأزمة في الشعر الآن على مستويين… هما في حقيقتهما انعكاسان اصيلان لأزمات الواقع العربي المركبة والشاملة لكل نواحي الحياة العربية في عجز قدرتها عن استيعاب الهزائم… واستشراف المناهج المؤدية إلى اتجاهات المستقبل القادرة على إحداث نهضوية جديدة يكون باستطاعتها إحداث روافع تنهض بالواقع العربي مما هو فيه من كوارث وعلامات انحطاط سياسي يمكن القول بأنها تمثلت أكثر ماتمثلت في عدد من الظواهر منها / اتفاقية كامب ديفيد / التي أخرجت مصر من ساحة الصراع العربي الصهيوني وحماته الإمبريالييين وفي المقدمة منهم الولايات المتحدة الأمريكية و/ اتفاقية أوسلو/ التي قدمت اعترافا بالكيان الصهيوني وتنازلا عن الحقوق التاريخية للأمة العربية. والشعب العربي الفلسطيني في فلسطين.. وأخيرا في سقوط العراق تحت الاحتلال الأمريكي ووضع الأمة العربية والوطن العربي بالتالي على حافة تحقق المشروع الأمريكي الصهيوني في تجزئة التجزئة العربية وتحويل الوطن العربي إلى حالة تسميها أمريكا والعدو الصهيوني / الشرق الأوسط الكبير / تكون فيه / اسرائيل كبرى عظمى / العامل الفاعل في السيطرة على مقدرات أمتنا ومصيرنا..
على هذه الأرضية تتجلى أزمة الثقافة العربية عموما… وأزمة الشعر على وجه الخصوص.. ذلك أن نفرا من الشعراء أيضا أجازوا لقصيدتهم أن تكون خارج قضايا الشعر وفي مقدمتها القصية السياسية وهمومها من جهة، وخارج الشعر كقضية تشترط التجدد بالتجديد الذي ينعكس على بنية القصيدة بما يجعلها قصيدة مؤثرة في إعادة التوازن لعملية التلقي… بحيث يغدو نمو القارىء على مساحة أوسع موازيا ومواكبا لنمو القصيدة والحركة النقدية المواكبة أو اللاحقة لها…
وهنا يجب أن نعترف أن الحركة النقديةى التي توقفت عند تجارب الرواد واسمائهم قد غابت فيما بعد عن حركة تطور القصيدة ولم يحظ شعر الستينات بأية دراسات نقدية ذات تأثير في تطور هذه القصيدة. وظلت القدرة النقدية للشعراء أنفسهم هي مرشدهم الأول في العمل على تطويرقصائدهم.. وبات واضحا للمتابع أن التفاوت المعرفي بي الشعراء قد انعكس على أدائهم… فمنهم من أضاع تجربته ومهم من أجاد في تطويرها ومنهم من لم يستطع تجاوز نصه ومن الذين استطاعوا أن يقفزوا بالقصيدة في مرحلة مبكرة من السبعينات إلى آفاق في الشكل واللغة محمود درويش منذ قصيدة / سرحان بشارة سرحان…. يشرب القهوة في الكافيتيريا / معتمدا على رصيده في ممارسة جرأة في الأداء الشعري واللغوي غير مسبوقة….
والذي لا شك فيه أن عددا من شعراء التفعيلة اللذين كشفوا عن حرفية في الكتابة ظلوا أسرى حرفتهم فقاموا بكتابة نصوص تعتمد التفعيلة…ولكنها تخلوا عن روح الشعر في الوقت ذاته / تحت مقياس شبيه بمقياس الشعر العمودي التقليدي الذي عرف الشعر بأنه الشعر الموزون المقفى ـ فجاؤوا بمقياس آخر هو أن الشعر الحديث إنما هو شعر التفعيلة دون أن يبذلوا أدنى جهد لتطوير نصوصهم… بل إن عددا منهم اساء لنصه بأن عدد عناوين النص الواحد وأجرى مايشبه المونتاج والكولاج الذي جمع أكثر من نص في إطار نص واحد فكنت تقرأ في الدوريات أو الصحف العربية نصوصا تكرر نشرها بعد إجراء مثل هذه العمليات مما أسهم أيضا في تشويش المتلقي للتمييز بين الجيد والرديء….
ومما لاشك فيه أيضا أن عدد من رواد الحداثة الشعرية قد أسقط نصه في نثرية أخذت صورا تشكيلية لا تقارب الشعرية في أدائها وإن كانت تعبر عن محاولة للانفلات من أسر القصائد الأولى معتمدين على رصيد قديم لا يسمح بمحاكمة تجاربهم الجديدة… وعلى صورتهم المروجة باعتبارهم شعراء كونيين..
وتحت هذا الوهم قاموا بالتخلي عن قصيدة المقاومة… وغادروها إلى غير رجعة.. مستغرقين ومتقوقعين في هموم ذاتية تفصيلية صغيرة… لاتقارب الواقع والأسئلة الكبرى المؤرقة للإنسان العربي وشاعره الذي لايكون إلا بمقدار ماهو كائن إنساني منتم إلى الهم العام… الذي يفضي بالضرورة إلى هم القصيدة من حيث هي شعر قادر على التأثير من جانب أو قادر على أن يكون جزءا من تجربة حركة الشعر العربي الحديث من حيث كونها رافعة ثقافية إبداعية من روافع الواقع العربي المتردي إلى هذا المستوى الذي نحن فيه….
خلاصة القول… في هذه المقاربة الأولية هي أن حركة الشعر العربي الحديث ليست في وضع يسوقها إلى اتباع ماصطلح عليه الغرب في أنه / مابعد الحداثة / ولكنها في وضع مازوم في مشهدها العام… وأن هذا الوضع المأزوم… يشترط لكي ينحل إلى أفق يخرج به من أزمته أو يخرج منها… أن ينظر كل شاعر في تجربته بمعنى أن يعيد النظر فيها… لا من أجل إحداث تعديلات على شكلها وبنيتها السابقة… وإنما للبناء عليها خارج القطيعة معها… وتأسيسا عليها من حيث هي تجربة تخص مراحل من حياته وتنتمي إليها.. بمايفضي إلى تجديد القصيدة باستخدام قوانين تجديدها من داخلها.. لا من التنظيرات التي كتبت على هوامش حركة الشعر العربي الحديث… أو تلك التي تكتب في فضاء يقع فوقها ولا يقاربها… من حيث هي حركة لم تأت بقرار من روادها… وإنما من حيث أنها جاءت استجابة لحركة الواقع في حركة شعرية… تحمل في داخلها بذور تطورها من مرحلة إلى أخرى ومن شاعر إلى آخر..
إن الدعوة إلى تجديد القصيدة العربية الحديثة ليست قرارا أيضا… كما أنها ليست جديدة.. وما تحديثها إلا دعوة لتجددها بأدوات الشعراء أنفسهم الذين يدركون أن حركة التاريخ في الوطن العربي والعالم… وإن كانت لا تسير في خط مستقيم.. إلا أنها تخلف في إدائها سلسلة من العوامل المركبة المتعددة والتي إذا أدركها الشاعر من خلال كونه مثقفا عضويا ملتحما بمجتمعه هموما وآمالا.. وواقعا معيشا يستطيع أن يضيء لنفسه سبله التي تساعده على إحداث التجديد في بنيتة وشكل قصيدته بما يعني بالمحصلة تجددا فيها يسهم في جعل الشعر والشاعر جزءا من حركة تاريخ وطنه وامته والعالم بانفتاحه على مجمل التجارب الإبداعية الإنسانية دون أن يكون ناسخا أو اتباعيا لها.. رابطا بين التراث والمعاصرة والحداثة… ربطا يتيح له أن يكون فاعلا فيها جميعا.. لامجرد صدى لها بما يغلق عليه أفق القصيدة والحياة.. في وقت يجب فيه أن يتعامل مع الحياة باعتبارها قصيدة… ومع القصيدة باعتبارها حياة.



