شال الغريـبة
شال الغريـبة
كانتْ تنظرُ إلى أفقٍ بعيد ، بنظراتٍ حائرةٍ غريبة ، تحاولُ ترتيبَ حياتِـها المبعثرةِ التي تدورُ كأوراقِ الشجرِ أمامَها ،يلعبُ بها الهواءُ فيحملُها، يقلّبُها ثم يرميها، ليعاودَ الكرّةَ كأنّه يلهو ، أما قدرُها فلا يعبثُ أبداً ، كلُ شيءٍ عندَهُ محكمْ ، ولا يأتي مصادفة
استندتْ والضيقُ يملأُ رئتيها ، أرختْ أصابعَها المتشنجةَ على قطعةِ الخبزِ ثمَّ عاودتْ لفَّها بالغلافِ الرقيقِ من غيرِ تفكير ، ورمتْها على المقعدِ ، هذا الكرسيِّ الذي تلجأُ إليه عادةً عندما تريدُ الفرارَ من أعبائِها وعملِها .
تجلسُ عليه وتنظرُ إلى الحديقةِ من حولَها ، تصيخُ السَّمعَ إلى الكائناتِ الساكنةِ فيها خريرُ الماءِ المنسلِّ عبرَ القنواتِ الرخاميةِ ، كأنـَّه يجمعُ بعضَهُ ، حاثاً النقاطَ على السيرِ لتتصلَ بأقرانِـها ، وتجتمعَ معهم في البحيرةِ الزرقاءِ المخضرةِ ، فيعلو الصخبُ ويستحيلُ الخريرُ هديراً جميلاً ، يأخذُ العقلَ عن إدراكِ ما سواه ، يأسرُ الحواسَ بلغوِهِ وضجيجِه ، عندها ترتاحُ هي ويسري في جسدِها ذاكَ الشعورُ الغريبُ من الهدوءِ والنعاسِ والاطمئنانِ .
تأهبُّ رَوحِها ، يؤثّرُ على حياتِـها وطريقةِ عملِها وتفكيرِها وحتى طعامِها، لهذا غالباً ما تلوذُ بكرسيِّها الملجأ وقتما تستطيع، فتسترخي بصمت .
تلكَ الإضاءاتُ الغادرةُ المفاجئةُ ، كانت تقتحمُ عقلَها بصورٍ منتشلةً إياها من ركودِها وخاصةً عينا تلك المرأة ، ما تزالُ تلاحقُها وتحاصرُها ، كلّما دققتِ النظرَ فيهما رأت نفسَها ، كيف يعقلُ أن يمضيَ بها العمرُ وهي لا تعلم ، وجدّتـُها الحبيبةُ التي هي كلُّ من تملكُ في هذه الدنيا لم تخبرْها بشيءٍ ؟! .
مشاعرُ الحُنقِ والحبِّ كانت تصطرعُ داخلَها ، وفي ذلكَ اليومِ خرجتْ من عملِـها مسرعةً ، وتوجهتْ نحوَ الحديقةِ ، ففترةُ الاستراحةِ ساعةٌ ، واعتادتْ أن تتناولَ فيها غداءَها الخفيف ، والكلُّ يعلمُ أنـّها تغلقُ هاتفَها ، وتستمتعُ بالسكونِ .
كانتْ تشاهدُ السيدَ مارتن وهو يقلمُّ الحديقةَ ، ويلّمُ الأوراقَ المتساقطةَ على الأرض ليجمعَها فوقَ العشبِ في أكوامٍ خريفيةٍ ، وحينما انتهى وقت الاستراحةِ ، خرجتْ مسرعةً من الباب ، وإذا بتلكَ العينان تستوقفانَـها .
أدركتْ أنَّ الأمرَ جللٌ وخطيرُ ، لأنَّ صاحبتَهما حملتْ في بحر حدقتيها أعاصيَر وأهوالاً وأحزاناً تكفي لإغراقها .
أمسكتْـها المرأةُ من يدِها وسألتْها بلهفةٍ متوجسة : أنت ناديا طبعاً ؟! فأومأتْ وهي مستسلمةٌ للحذرِ والاستغرابِ ، نعم أنا ناديا ، ولكن عذراً من أنتِ ؟ ، كان هذا ما قالَتْه فقط ، أما عقلُها فبحثَ عن أجوبةٍ لعشراتِ الأسئلة ، ماذا تريد ؟ وكيف عرفتْ أنني هنا ؟ هي تشبهُ شخصاً أعرفُهُ جيداً ، وأراه باستمرار، ياترى من هي ؟!
هل لي يا صغيرتي ببضعِ دقائقَ معكِ ؟ تمنَّتْ لو قالت نعم ، ولكنَّ وقتَ الاستراحةِ مضى ، والعملُ في هذهِ البلادِ لا مزاحَ فيه ، أجابت : الآن مستحيل ، ولكنْ في الساعةِ الخامسةِ أستطيعُ ملاقاتِكِ هنا ، فوجئتْ من ردَّةِ فعلِ المرأةِ التي نظرتْ إليها وكأنها تحتويها ، وتبتلِعُ تفاصيلَها ، وقالتْ بصبرٍ يكادُ يختنق :كما تشائينَ ، سأنتظركِ هنا قربَ السياج .
كم تتمنى لو لم تلاقِـها يومها ، لكانَ الهدوءُ ما يزالُ رفيقَها ، ولكنه غادرَ منذ غادرتْ مكتبَها واتجهتْ نحو الغريبة ، حيث ألفَتْها منتظرةً ، تشدُّ على جسدِها ذاكَ الشالَ الغريب ، لم ترَ مثلَهُ قبلاً ، ولكن ليسَ المهمُّ ما ارتدتْهُ السيدةُ بل ما تفوهتْ به ماذا قلتِ ؟ ماذا تقصدينَ بكونِك عمتي ؟ كيفَ تجرؤينَ على مواعدتي هنا واختلاقِ الأكاذيبِ ؟ ومن أين لكِ معرفَةُ والدي ؟ لقد توفي منذ زمنٍ بعيدٍ ، وكيفَ عرفتِ اسمي ، ومن …؟ وصمتتْ فجأةً لأنَّ ندى العيونِ كان قوياً وصادقاً .
سكتتْ بُرهةً ، ثم استأنفتْ قائلةً : عفواً ، سنبدأُ من جديدٍ علَّها تكونُ بدايةً أفضلَ والدتي أخبرتني أنَّ والدي توفيَ منذُ زمنٍ بعيدٍ ، وليس له أقاربُ أبداً ، لأنهم ماتوا جميعاً في فرنسا قبلَ أنْ يأتيَ إلى أمريكا ويلتقيَ بها ، ويتزوجَها لأكونَ الوحيدةَ ثمرةَ هذا الحبِ القصيرِ العميقِ ، لكني اليومَ أُفاجأُ بأنَّ لأبي أخواتٍ ، وبإدعائِكِ قرابتي ! أرجوكِ هلا شرحتِ لي ؟! ولماذا لا تجيدينَ الإنكليزيةَ جيداً ولا حتى الفرنسية ؟ و لكِ لكنةٌ وهيئةٌ غريبة ، لو سمحتِ ليس لدي وقتٌ كبيرٌ أقضيَهُ معكِ .
ولكنَّ السيدةَ قاطعتْها بحركةٍ يائسةٍ من يديها فيها حزمٌ وكياسةٌ قائلةً : كنتُ أحلُُمُ بلقائِكِ ، وحضّرتُ لهذا المشهدِ في ذهني حواراتٍ طويلةً عدّة ، لكن أيّاً منها لم يكن فيه عاملُ الوقتِ له أهمية ، الوقتِ الذي تضربينَ به خيالاتي وسعادتي برؤيتك ، لقد كنتُ أعلمُ أنَّ بضعاً منا في الغربة ، فتشتُ وبحثتُ وتعبتُ وادخرتُ وعانيتُ حتى أصلَ لهذا المكان ، فلا تخبريني عن الوقتِ الذي تذوقتُهُ جيداً يا صغيرتي .
حركتْ رأسَها بأسى ، وهي ترمُقُ طيراً يرفرفُ بين الشجر ، يبحثُ عن مبتغاه ، وهي ما تزالُ جالسةً على كرسيها ، لماذا كان على هذه العَمَّةِ الآتيةِ على سحبِ الضبابِ أن تختزنَ السنين ، وتأتي في هذا الوقتِ بالذات ، الوقتِ الذي توقفتْ فيه عن الشوقِ إلى أبيها ، ولمعرفةِ مَنْ هو ؟ !
لقد أصبحتْ سيدةَ أعمالٍ يحسَبُ لها حسابٌ ، واستقرتْ في منزلٍ هو حلُمُها مذْ كانت صغيرةً ، فيه كلُّ ما يودُّ المرءُ مشاهدتَهُ أو استخدامَهُ ، ثم إنها مخطوبةٌ لراؤول وموعدُ الزفافِ قريبٌ ، وقد أخبرتهُ عن حياتِها ، ماذا سيظنُ الآن ؟
إنه محامٍ مرموقٌ ، وعضوٌ في المجلسِ البلدي وهيئةِ المحلفين ، ويطمحُ أن يكونَ الحاكمَ بعد أن يرشحَهُ حزبُهُ لمجلسِ الشيوخ ، وقد عاهدتْهُ على مساندتِه والوقوفِ إلى جانبهِ في حياتِهِ المشرقةِ دونَ غموضٍ .
منذُ مدةٍ كانت عندَهُ في المنزلِ ، تسمعُ تعليقاتِهِ حولَ موكليه ، وأخبارَ الساعةِ التي تتناولُ أكثرَ مواضيعِ أمريكا إثارةً ، وعن إسرائيلَ والمجازرِ التي ترتكبها حماسُ في حقِ أطفالها ، والشأنَ العامَّ العالميَّ ، وأوضاعَ الاقتصاد وأمورَهُ المالية ، مداخلاتُها معه كانت مقتضبةً ، وهي نفسُها بعيدةٌ قليلةُ الحماسة ، متوترةٌ وغامضةٌ كما سماها ، ولكن ساحرةٌ كما أضافَ قائلاً بحبٍ واعتزاز ، المهمُّ أنَّها لم تستطع أن تخبرَهُ عن عمتها الآتيةِ من المجهولِ ، لم ترد إفسادَ الأمرِ بيديها ، كان التريثُ هو سمت تفكيرها ، ماذا تقصُدُ هذه السيدة ؟ ماذا تريد تلك القادمة من هناك ؟ ! مالت برأسها إلى الخلف وهي تستعيد كلماتِها .
اسمي دلال ، ناديني أمَّ ياسين ، أخي ذهب إلى فرنسا بمنحة ، تعرف بوالدتِكِ في لندن وتزوجا ليحصلَ على الإقامة ويستقرَ معها في نيويورك ،ثم انتقل إلى الغرب ففرص العمل أفضل ، اختلف مع زوجه على عدة أمور حول السياسة والدين ، سافر عائداً إلى فرنسا وعلم بأنها حامل بالصدفة من صديق مشترك ، حاول أن يراها ولكنه فشل لقد هربت بك وغيرت عنوانَها واسمَها ولم يعرف حتى هوية الجنين ، مرضَ وتوفيَ. كان عليَّ أن أبحثَ عنك ، وكان قدري أن أجدَكِ ، ولولا صديقٌ مقربٌ عظيمٌ ما استطعتُ العثورَ عليك ، ولطالت رحلةُ البحثِ عن ابنةِ أخي ، تلك المعاناةُ التي امتدتْ إلى تسعِ سنوات ، كانت عذاباً بما تحتويه هذه الكلمة في حروفها من معنى .
أمسكت رأسها بيديها الصغيرتين ، غيرَ عابئةٍ بمارتن وهو ينظرُ قلقاً ، تريدُ أن تمنعَ دماغها من تذكرِ ثورةِ غضبها ، وكيف أنها عادت إلى جدّتها ، كانت جالسةً تشربُ الحليبَ والشاي ، انفجرتْ بوجهها ، وقلبتْ المنزلَ والأثاثْ ، وأطاحتْ بصورِ والدتها والشرائطِ السوداءِ المعقودةِ على الإطار ، كانت تصرخ فقط وجدتُها تكتفي بالبكاء .
ولا تتذكرْ حتى كيف نامتْ ، ولا كيف قضتِ الأيامَ التي تلت انهيارِها ، ما تذكرُهُ بشدةٍ هي الحربُ الباردةُ التي نشبت بينها وبين عيني جدتِها المتواريتين بخجل .
حتى عندما أعدت حقيبتها للسفر ، لم تجرؤ الأخيرة على سؤالها عن وجهةِ المقصد
كلَّ ما تتذكرُهُ بوضوحٍ هو إعلانُ المضيفةِ عن الوصولِ إلى دمشق ، وخروجُها من المطار برفقة دلال ، وعددٌ من الناسِ الذين يشبهونَ دلال ، يستقبلونَها بحفاوةٍ وحبٍّ عجيبينِ بعيدينِ كلِّ البُعدِ عن طقسِ بلادها .
كانت في السيارةِ ، ترى المارةَ ، والمحلاتِ ، والزحمةَ ، وخنقةُ الهواءِ تلفحُ وجهها وقلبَها ، وتُحِسُّ بالدموعِ تحرقُ عينيها الزرقاوتين ، وخصلاتِ شعرِها البني تهـتـزُ على جبينها العريضِ الناصع ، كما تهـتـزُ جميعُ الثوابتِ في حياتها أمام عينها ، سألت دلال : ماهذا المكان ؟ فأجابت : إنه شارع الثلاثين في مخيم فلسطين ، ( أيعقل أن تكون فعلاً في أحدِ مخيماتِ الإرهابيين الهمج؟ ) ، هنا نقطن منذُ وصلنا من درعا وهي مدينةٌ تقعُ جنوبي دمشق ، قريبةٌ من الجولان ، أصلُنا من صفد ، ولنا فيها بيتٌ جميلٌ كان لجـدِنا عبد العزيز ، قبل أن يصبحَ ضمنَ مستوطنةٍ يحتلها اليهودُ ، شردتْ ( بل يهوديٌّ مناضلٌ كأصدقاء راؤول المقربين الذين تراهم عنده دائماً ) .
جلست في غرفة دلال وأمسكتْ بإطارِ صورةٍ قديمة بالأبيضِ والأسود ، وجاءَها صوتُ العمة إِنه جدُك وأنا ، وعمُكِ هنية ، و خالد ، هل هذا أبي ؟ نعم إنهُ خالد وهنا أيضاً صورةٌ أخرى له ، صعقتْ ، إنها لم ترهُ من قبل ، نعم والدها ، إنها تشبِهُه وتشبِه دلال ، وتشبِه جارتَهم ، يديها كيدي عمِها إلاّ أن أنفَها وذقنَها كأمِها ، هل هم أهلُها حقاً ؟ ، أي جنونٍ قادها إلى دمشق !
كانتْ الأيامُ التاليةُ كالدوامةِ ، وهي القشةُ الغارقةُ فيها ، كانت تبكي من كلِّ قلبِها وتضحكُ كما لم تفعل في حياتها من قبل .
هنا اختبرتْ الحدودَ في مشاعرِها وتجاوزتها ، مع هؤلاء البشر أحستْ بالحياةِ الحقيقيةِ لا تعلمُ ما ذنبُها حتى تجتث من أحضانِ الحنان ، لتُرمى في صقيع الوحدة ، يبدو أن قدرها أمعن في تغريبها ، غربةٌ فوق غربة ،حتى يكتمل برجُ سجنِها ، في قضاء دبرتْه السامية وأمها ، وعجزُ رجلٍ فلسطيني عن الوصولِ إلى ابنته ، أوحلِّ قضيته ، قبلَ أن يحينَ الأجل .
وهي هنا في الحياةِ ،بشكلٍ أو بآخرَ ، ما تزال موجودةً ، ولم يئنِ بعدُ وقتُ الرحيلِ .
عادتْ إلى عملِها ، والكلامُ يصمتُ أمام عيني خطيبها ، والعقلُ يرفضُ الاستراحة ووحدَها البحيرةُ ، وهديرُ الماءِ المنسلِّ إليها عبْرَ القنواتِ الرخاميةِ يريحها ، وكرسيها الملجأ ، تحسُّ وكأنه يصرخُ فيها ، ويعيد إليها عيني دلال ، وابتسامةَ خالد ، والشالَ المطرزَ بالأسودِ والأحمرِ والأخضر ، يلّوحُ لها دائماً ، مذكراً إياها بالحبِّ ، ومخبراً عن ملايين القصصِ ومئاتِ الصور .
يداها ما تزالان متشنجتين ، وعيناها على قطعة الخبز الملفوفة ، التي رمتها إلى جانبها ولم تعد تستطيعُ الجلوس ، خرجت من الحديقةِ مسرعةً ، ونسيتْ خلفها غداءَها ملقى على المقعد ، مع جريدتِها وحقيبةً ملأى بكلِّ شيء ، إلاّ من هاتِفِها الذي حملته وكأنه كنـزُها ، كانت تركضُ وتصيحُ عبرَه ، ومن عينيها تتراكض الدموع تغسلُ عن نفسِها الأسى وتحملُ العزمَ والحبَّ .
( دلال حبيبتي ، انتظري ، أنا قادمة ).
عليا عبد الرحمن حباب