أرشيف القسم: ‘عليا حباب’

28
Jan

ضوء ساطع

   بواسطة: رئيفة

ضوء ساطع

مئات الحجارة المتراصّة تقف أمامي , وتدّعي أنها سور لقلعة ولكني لا أحفل بها ، دبيب النمل بالآلاف ,يزأر مسيّراً جحافل الاقتحام , ويعبر يديَّ بعد أن اعتلى أقدامي , وأنا لايهمني الآن سوى وجهك , لماذا فقدت الحواس أمامه ؟.

أأنت تبتعدين أم أنني لاأميز بالضباب , وهناك فعلاً سور أقوى من قامتي على الاعتلاء.

يميزك الألم , إذاً اشربي مني حتى تصمت أصواتُ الحمام. ولايبقى في الفراغ غيرك أنا وأنت سنلتقي يوماً , على مذبح التاريخ .

ألقى عباراته , وهو لايرى أمامه غير نور ساطع , غطى الحاضرين, ودوى التصفيق , ثم أسدلت الستارة , تراجع بهدوء ثم أمسك بأيدٍ إلى جواره ،وتقدم لينحني أمام الحشود , بعد أن واجه النور مرة أخرى .

d8b6d988d8a1-d8b3d8a7d8b7d8b9

لتحميل القصة كاملة الرجاء الضغط على الرابط اعلاه

الاديبة عليا حباب

11
Jan

شال الغريـبة

   بواسطة: رئيفة

شال الغريـبة


كانتْ تنظرُ إلى أفقٍ بعيد ، بنظراتٍ حائرةٍ غريبة ، تحاولُ ترتيبَ حياتِـها المبعثرةِ التي تدورُ كأوراقِ الشجرِ أمامَها ،يلعبُ بها الهواءُ فيحملُها، يقلّبُها ثم يرميها، ليعاودَ الكرّةَ كأنّه يلهو ، أما قدرُها فلا يعبثُ أبداً ، كلُ شيءٍ عندَهُ محكمْ ، ولا يأتي مصادفة

استندتْ والضيقُ يملأُ رئتيها ، أرختْ أصابعَها المتشنجةَ على قطعةِ الخبزِ ثمَّ عاودتْ لفَّها بالغلافِ الرقيقِ من غيرِ تفكير ، ورمتْها على المقعدِ ، هذا الكرسيِّ الذي تلجأُ إليه عادةً عندما تريدُ الفرارَ من أعبائِها وعملِها .

تجلسُ عليه وتنظرُ إلى الحديقةِ من حولَها ، تصيخُ السَّمعَ إلى الكائناتِ الساكنةِ فيها خريرُ الماءِ المنسلِّ عبرَ القنواتِ الرخاميةِ ، كأنـَّه يجمعُ بعضَهُ ، حاثاً النقاطَ على السيرِ لتتصلَ بأقرانِـها ، وتجتمعَ معهم في البحيرةِ الزرقاءِ المخضرةِ ، فيعلو الصخبُ ويستحيلُ الخريرُ هديراً جميلاً ، يأخذُ العقلَ عن إدراكِ ما سواه ، يأسرُ الحواسَ بلغوِهِ وضجيجِه ، عندها ترتاحُ هي ويسري في جسدِها ذاكَ الشعورُ الغريبُ من الهدوءِ والنعاسِ والاطمئنانِ .

تأهبُّ رَوحِها ، يؤثّرُ على حياتِـها وطريقةِ عملِها وتفكيرِها وحتى طعامِها، لهذا غالباً ما تلوذُ بكرسيِّها الملجأ وقتما تستطيع، فتسترخي بصمت .

تلكَ الإضاءاتُ الغادرةُ المفاجئةُ ، كانت تقتحمُ عقلَها بصورٍ منتشلةً إياها من ركودِها وخاصةً عينا تلك المرأة ، ما تزالُ تلاحقُها وتحاصرُها ، كلّما دققتِ النظرَ فيهما رأت نفسَها ، كيف يعقلُ أن يمضيَ بها العمرُ وهي لا تعلم ، وجدّتـُها الحبيبةُ التي هي كلُّ من تملكُ في هذه الدنيا لم تخبرْها بشيءٍ ؟! .

مشاعرُ الحُنقِ والحبِّ كانت تصطرعُ داخلَها ، وفي ذلكَ اليومِ خرجتْ من عملِـها مسرعةً ، وتوجهتْ نحوَ الحديقةِ ، ففترةُ الاستراحةِ ساعةٌ ، واعتادتْ أن تتناولَ فيها غداءَها الخفيف ، والكلُّ يعلمُ أنـّها تغلقُ هاتفَها ، وتستمتعُ بالسكونِ .

كانتْ تشاهدُ السيدَ مارتن وهو يقلمُّ الحديقةَ ، ويلّمُ الأوراقَ المتساقطةَ على الأرض ليجمعَها فوقَ العشبِ في أكوامٍ خريفيةٍ ، وحينما انتهى وقت الاستراحةِ ، خرجتْ مسرعةً من الباب ، وإذا بتلكَ العينان تستوقفانَـها .

أدركتْ أنَّ الأمرَ جللٌ وخطيرُ ، لأنَّ صاحبتَهما حملتْ في بحر حدقتيها أعاصيَر وأهوالاً وأحزاناً تكفي لإغراقها .

أمسكتْـها المرأةُ من يدِها وسألتْها بلهفةٍ متوجسة : أنت ناديا طبعاً ؟! فأومأتْ وهي مستسلمةٌ للحذرِ والاستغرابِ ، نعم أنا ناديا ، ولكن عذراً من أنتِ ؟ ، كان هذا ما قالَتْه فقط ، أما عقلُها فبحثَ عن أجوبةٍ لعشراتِ الأسئلة ، ماذا تريد ؟ وكيف عرفتْ أنني هنا ؟ هي تشبهُ شخصاً أعرفُهُ جيداً ، وأراه باستمرار، ياترى من هي ؟!

هل لي يا صغيرتي ببضعِ دقائقَ معكِ ؟ تمنَّتْ لو قالت نعم ، ولكنَّ وقتَ الاستراحةِ مضى ، والعملُ في هذهِ البلادِ لا مزاحَ فيه ، أجابت : الآن مستحيل ، ولكنْ في الساعةِ الخامسةِ أستطيعُ ملاقاتِكِ هنا ، فوجئتْ من ردَّةِ فعلِ المرأةِ التي نظرتْ إليها وكأنها تحتويها ، وتبتلِعُ تفاصيلَها ، وقالتْ بصبرٍ يكادُ يختنق :كما تشائينَ ، سأنتظركِ هنا قربَ السياج .

كم تتمنى لو لم تلاقِـها يومها ، لكانَ الهدوءُ ما يزالُ رفيقَها ، ولكنه غادرَ منذ غادرتْ مكتبَها واتجهتْ نحو الغريبة ، حيث ألفَتْها منتظرةً ، تشدُّ على جسدِها ذاكَ الشالَ الغريب ، لم ترَ مثلَهُ قبلاً ، ولكن ليسَ المهمُّ ما ارتدتْهُ السيدةُ بل ما تفوهتْ به ماذا قلتِ ؟ ماذا تقصدينَ بكونِك عمتي ؟ كيفَ تجرؤينَ على مواعدتي هنا واختلاقِ الأكاذيبِ ؟ ومن أين لكِ معرفَةُ والدي ؟ لقد توفي منذ زمنٍ بعيدٍ ، وكيفَ عرفتِ اسمي ، ومن …؟ وصمتتْ فجأةً لأنَّ ندى العيونِ كان قوياً وصادقاً .

سكتتْ بُرهةً ، ثم استأنفتْ قائلةً : عفواً ، سنبدأُ من جديدٍ علَّها تكونُ بدايةً أفضلَ والدتي أخبرتني أنَّ والدي توفيَ منذُ زمنٍ بعيدٍ ، وليس له أقاربُ أبداً ، لأنهم ماتوا جميعاً في فرنسا قبلَ أنْ يأتيَ إلى أمريكا ويلتقيَ بها ، ويتزوجَها لأكونَ الوحيدةَ ثمرةَ هذا الحبِ القصيرِ العميقِ ، لكني اليومَ أُفاجأُ بأنَّ لأبي أخواتٍ ، وبإدعائِكِ قرابتي ! أرجوكِ هلا شرحتِ لي ؟! ولماذا لا تجيدينَ الإنكليزيةَ جيداً ولا حتى الفرنسية ؟ و لكِ لكنةٌ وهيئةٌ غريبة ، لو سمحتِ ليس لدي وقتٌ كبيرٌ أقضيَهُ معكِ .

ولكنَّ السيدةَ قاطعتْها بحركةٍ يائسةٍ من يديها فيها حزمٌ وكياسةٌ قائلةً : كنتُ أحلُُمُ بلقائِكِ ، وحضّرتُ لهذا المشهدِ في ذهني حواراتٍ طويلةً عدّة ، لكن أيّاً منها لم يكن فيه عاملُ الوقتِ له أهمية ، الوقتِ الذي تضربينَ به خيالاتي وسعادتي برؤيتك ، لقد كنتُ أعلمُ أنَّ بضعاً منا في الغربة ، فتشتُ وبحثتُ وتعبتُ وادخرتُ وعانيتُ حتى أصلَ لهذا المكان ، فلا تخبريني عن الوقتِ الذي تذوقتُهُ جيداً يا صغيرتي .

حركتْ رأسَها بأسى ، وهي ترمُقُ طيراً يرفرفُ بين الشجر ، يبحثُ عن مبتغاه ، وهي ما تزالُ جالسةً على كرسيها ، لماذا كان على هذه العَمَّةِ الآتيةِ على سحبِ الضبابِ أن تختزنَ السنين ، وتأتي في هذا الوقتِ بالذات ، الوقتِ الذي توقفتْ فيه عن الشوقِ إلى أبيها ، ولمعرفةِ مَنْ هو ؟ !

لقد أصبحتْ سيدةَ أعمالٍ يحسَبُ لها حسابٌ ، واستقرتْ في منزلٍ هو حلُمُها مذْ كانت صغيرةً ، فيه كلُّ ما يودُّ المرءُ مشاهدتَهُ أو استخدامَهُ ، ثم إنها مخطوبةٌ لراؤول وموعدُ الزفافِ قريبٌ ، وقد أخبرتهُ عن حياتِها ، ماذا سيظنُ الآن ؟

إنه محامٍ مرموقٌ ، وعضوٌ في المجلسِ البلدي وهيئةِ المحلفين ، ويطمحُ أن يكونَ الحاكمَ بعد أن يرشحَهُ حزبُهُ لمجلسِ الشيوخ ، وقد عاهدتْهُ على مساندتِه والوقوفِ إلى جانبهِ في حياتِهِ المشرقةِ دونَ غموضٍ .

منذُ مدةٍ كانت عندَهُ في المنزلِ ، تسمعُ تعليقاتِهِ حولَ موكليه ، وأخبارَ الساعةِ التي تتناولُ أكثرَ مواضيعِ أمريكا إثارةً ، وعن إسرائيلَ والمجازرِ التي ترتكبها حماسُ في حقِ أطفالها ، والشأنَ العامَّ العالميَّ ، وأوضاعَ الاقتصاد وأمورَهُ المالية ، مداخلاتُها معه كانت مقتضبةً ، وهي نفسُها بعيدةٌ قليلةُ الحماسة ، متوترةٌ وغامضةٌ كما سماها ، ولكن ساحرةٌ كما أضافَ قائلاً بحبٍ واعتزاز ، المهمُّ أنَّها لم تستطع أن تخبرَهُ عن عمتها الآتيةِ من المجهولِ ، لم ترد إفسادَ الأمرِ بيديها ، كان التريثُ هو سمت تفكيرها ، ماذا تقصُدُ هذه السيدة ؟ ماذا تريد تلك القادمة من هناك ؟ ! مالت برأسها إلى الخلف وهي تستعيد كلماتِها .

اسمي دلال ، ناديني أمَّ ياسين ، أخي ذهب إلى فرنسا بمنحة ، تعرف بوالدتِكِ في لندن وتزوجا ليحصلَ على الإقامة ويستقرَ معها في نيويورك ،ثم انتقل إلى الغرب ففرص العمل أفضل ، اختلف مع زوجه على عدة أمور حول السياسة والدين ، سافر عائداً إلى فرنسا وعلم بأنها حامل بالصدفة من صديق مشترك ، حاول أن يراها ولكنه فشل لقد هربت بك وغيرت عنوانَها واسمَها ولم يعرف حتى هوية الجنين ، مرضَ وتوفيَ. كان عليَّ أن أبحثَ عنك ، وكان قدري أن أجدَكِ ، ولولا صديقٌ مقربٌ عظيمٌ ما استطعتُ العثورَ عليك ، ولطالت رحلةُ البحثِ عن ابنةِ أخي ، تلك المعاناةُ التي امتدتْ إلى تسعِ سنوات ، كانت عذاباً بما تحتويه هذه الكلمة في حروفها من معنى .

أمسكت رأسها بيديها الصغيرتين ، غيرَ عابئةٍ بمارتن وهو ينظرُ قلقاً ، تريدُ أن تمنعَ دماغها من تذكرِ ثورةِ غضبها ، وكيف أنها عادت إلى جدّتها ، كانت جالسةً تشربُ الحليبَ والشاي ، انفجرتْ بوجهها ، وقلبتْ المنزلَ والأثاثْ ، وأطاحتْ بصورِ والدتها والشرائطِ السوداءِ المعقودةِ على الإطار ، كانت تصرخ فقط وجدتُها تكتفي بالبكاء .

ولا تتذكرْ حتى كيف نامتْ ، ولا كيف قضتِ الأيامَ التي تلت انهيارِها ، ما تذكرُهُ بشدةٍ هي الحربُ الباردةُ التي نشبت بينها وبين عيني جدتِها المتواريتين بخجل .

حتى عندما أعدت حقيبتها للسفر ، لم تجرؤ الأخيرة على سؤالها عن وجهةِ المقصد

كلَّ ما تتذكرُهُ بوضوحٍ هو إعلانُ المضيفةِ عن الوصولِ إلى دمشق ، وخروجُها من المطار برفقة دلال ، وعددٌ من الناسِ الذين يشبهونَ دلال ، يستقبلونَها بحفاوةٍ وحبٍّ عجيبينِ بعيدينِ كلِّ البُعدِ عن طقسِ بلادها .

كانت في السيارةِ ، ترى المارةَ ، والمحلاتِ ، والزحمةَ ، وخنقةُ الهواءِ تلفحُ وجهها وقلبَها ، وتُحِسُّ بالدموعِ تحرقُ عينيها الزرقاوتين ، وخصلاتِ شعرِها البني تهـتـزُ على جبينها العريضِ الناصع ، كما تهـتـزُ جميعُ الثوابتِ في حياتها أمام عينها ، سألت دلال : ماهذا المكان ؟ فأجابت : إنه شارع الثلاثين في مخيم فلسطين ، ( أيعقل أن تكون فعلاً في أحدِ مخيماتِ الإرهابيين الهمج؟ ) ، هنا نقطن منذُ وصلنا من درعا وهي مدينةٌ تقعُ جنوبي دمشق ، قريبةٌ من الجولان ، أصلُنا من صفد ، ولنا فيها بيتٌ جميلٌ كان لجـدِنا عبد العزيز ، قبل أن يصبحَ ضمنَ مستوطنةٍ يحتلها اليهودُ ، شردتْ ( بل يهوديٌّ مناضلٌ كأصدقاء راؤول المقربين الذين تراهم عنده دائماً ) .

جلست في غرفة دلال وأمسكتْ بإطارِ صورةٍ قديمة بالأبيضِ والأسود ، وجاءَها صوتُ العمة إِنه جدُك وأنا ، وعمُكِ هنية ، و خالد ، هل هذا أبي ؟ نعم إنهُ خالد وهنا أيضاً صورةٌ أخرى له ، صعقتْ ، إنها لم ترهُ من قبل ، نعم والدها ، إنها تشبِهُه وتشبِه دلال ، وتشبِه جارتَهم ، يديها كيدي عمِها إلاّ أن أنفَها وذقنَها كأمِها ، هل هم أهلُها حقاً ؟ ، أي جنونٍ قادها إلى دمشق !

كانتْ الأيامُ التاليةُ كالدوامةِ ، وهي القشةُ الغارقةُ فيها ، كانت تبكي من كلِّ قلبِها وتضحكُ كما لم تفعل في حياتها من قبل .

هنا اختبرتْ الحدودَ في مشاعرِها وتجاوزتها ، مع هؤلاء البشر أحستْ بالحياةِ الحقيقيةِ لا تعلمُ ما ذنبُها حتى تجتث من أحضانِ الحنان ، لتُرمى في صقيع الوحدة ، يبدو أن قدرها أمعن في تغريبها ، غربةٌ فوق غربة ،حتى يكتمل برجُ سجنِها ، في قضاء دبرتْه السامية وأمها ، وعجزُ رجلٍ فلسطيني عن الوصولِ إلى ابنته ، أوحلِّ قضيته ، قبلَ أن يحينَ الأجل .

وهي هنا في الحياةِ ،بشكلٍ أو بآخرَ ، ما تزال موجودةً ، ولم يئنِ بعدُ وقتُ الرحيلِ .

عادتْ إلى عملِها ، والكلامُ يصمتُ أمام عيني خطيبها ، والعقلُ يرفضُ الاستراحة ووحدَها البحيرةُ ، وهديرُ الماءِ المنسلِّ إليها عبْرَ القنواتِ الرخاميةِ يريحها ، وكرسيها الملجأ ، تحسُّ وكأنه يصرخُ فيها ، ويعيد إليها عيني دلال ، وابتسامةَ خالد ، والشالَ المطرزَ بالأسودِ والأحمرِ والأخضر ، يلّوحُ لها دائماً ، مذكراً إياها بالحبِّ ، ومخبراً عن ملايين القصصِ ومئاتِ الصور .

يداها ما تزالان متشنجتين ، وعيناها على قطعة الخبز الملفوفة ، التي رمتها إلى جانبها ولم تعد تستطيعُ الجلوس ، خرجت من الحديقةِ مسرعةً ، ونسيتْ خلفها غداءَها ملقى على المقعد ، مع جريدتِها وحقيبةً ملأى بكلِّ شيء ، إلاّ من هاتِفِها الذي حملته وكأنه كنـزُها ، كانت تركضُ وتصيحُ عبرَه ، ومن عينيها تتراكض الدموع تغسلُ عن نفسِها الأسى وتحملُ العزمَ والحبَّ .

( دلال حبيبتي ، انتظري ، أنا قادمة ).

عليا عبد الرحمن حباب

9
Jan

الخادم

   بواسطة: رئيفة

الخادم


ربما أستطيع الراحة الآن ، عشر دقائق لاأكثر هذا كل ماأطمح إليه ، دقائق أسرقُها من ذهنها باعتلال ذاكرة أو فراغ نسيان ، ثم سأعود إلى الذاكرة نعم فهي لن تقدر أن تهملني.

عندما ارتدت ذلك القميص الشفاف البارحة، وانتعلت الخفّ، ظهرت تجاعيد رقبتها جليّة واضحة ،وكذا الترهل في ساعديها ، وحتى أظافر قدميها ،شفت من تحت الطلاء خطوط العمر وتجعد المساحة ، كان حرياً بها أن لاتفعل ، وأن تنتقي مايناسبها ، لوأنني ارتديت قميصها ، لظهر جمال ساعدي، ومشقة رقبتي، التي أخفيها تحت الخمار، وأخفي معها نداوة العمر، فمازلت غضة لست مثلها ولكن كل هذا لايهم، أمام ماحدث من حوار غريب مع زوجها، لقد رمته بنظرات وهو يتابع حديثه ، لم يرها ولوأنه فعل ، لعلم أنها لاتحبه .

لاتنظر المرأة إلى فارسها كتلك التي رمقته بها ، وجوابها كان لاذعاً غريباً بارداً ينطوي على نرجسية لم يلاحظها حتى الآن وهذا الأغرب ، لأنه شخص شفاف ومعطاء، غريب أن يجهل لغة الجسد … آه الجسد نعم لو أنه يعيرني شيئاً من الاهتمام، لكان رأى أنني كالنهرفي أول انبعاثه من الأرض، يخرج قوياً هادراً يجتاح ماأمامه، أما هي فقد وصلت إلى مرحلة الاسترخاء والترسيب ، واستراحت المساحات عندها في كل شئ ، في جسدها وغرورها وإهمالها وسرعة فكرها حتى أنني أحس للحظات أن معالج الدماغ عندها قد تعطل أو…

ياويلي لوتسمع عقلي، لصار مايفوق الاعصار الذي يهدد شواطئ العالم الآمنة .

أشكرك ربي على نعمة صمت الأفكار ، فلو أن لها صوتاً لدخلنا في المتاهات التي يتراكض فيها الناس ذعراً وخوفاً من شبح العُري..

العُري هذا الذي تمتلكه روحها ، هي أشبه براقصة تعري بعد خدمة خمس وعشرين سنةً في المهنة ، تصبح الراقصة معروفة بل مدركة ومفهومه بكل التفاصيل ، لايكاد يغيب عن طلابها أي جزء بل تم درسها على الآخر .

نعم آخر ماطلبته مني منذ فترة كان غريباً ، وبعيداً عن الذكاء بآن، تريدني أن أجالس زوجها ريثما تحادث جاراتها وصديقاتها المقربات، عن السخف في عالم الموضة و عن المجتمع المخمليّ من طلاق وزواج وفضائح ،وكأن فترات عمله التي يغيب فيها عن المنزل لاتكفيها ،وأخبار فلانة من الناس أهم من ذاك القابع معها والذي وكلته للأمور الاقتصادية والحاجات الضرورية الأخرى فقط .

فقط لو كنت أنا هي،لرآني وعموماً من التي تدير منزله حسب رأيه هي؟ ! أبداً بل بتواضع أنا ، فنهاري الذي يبدأ غالباً بقهوته والجريدة والفطور ومن ثم إعداد أغراض حمامه وانتقاء ثيابه ومستلزماته على دقتها ، فهو رجل منظم ، حتى ساعته ومفاتحه وجهاز الهاتف خاصة ، وعطره اذا ما أراد تغيره حتى مكالماته المهمة أسجلها ، وعندما يخرج من المنزل يبدأ عملي الجاد من تنظيف وتلميع وترتيب وطهو حسب لائحة أختارها بنفسي ، وأبعث من يشتريها وأحاسب بدقة لأتوخى الغبن أو السهو ، ثم أكمل ترتيب الغرف للأولاد وتنسيق أمورهم التي تبدأ من الدراسة حتى مواعيد حفلاتهم وثيابهم ومشاكلهم الحميمة ، وأدق خصوصياتهم وبعد انتهاء الغداءووقت القيلولة ،أتفرغ للترتيب، وغالباً ما تكون فترة بعد الظهر سكوناً أعدّ فيه الشاي والحلويات، وأنتظر طلباتها التي لاتنتهي ولن تنتهي .

هذا إذا خلا اليوم من الزوار ، زوارها وهواتفها وأوامرها،حتى أنها لتسألني أحياناً أن أغسل شعرها وأنسقه ، وفترة المساء فيها خدمات ودخان نارجيلات، وجمر يتطاير شرره، وخمر وتنظيف، وحديث وضجيج وعشاء، إما رسمياً أو مقتصراً على العائلة ولا أشعر إلا والساعة تدق الثانية عشرة فيوقظني انتصاف الليل على حقيقة إنهاكي، وأنني لست كسندريلا لم أكن مع الأمير، بل فقط بين القدور والفحم الذي يحرق أحلامي الكفيفة التي لن ترَ الشمس والنور يومياً.

وحتى هدأة الليل لاأستطيع أن أسرق منها السكون، بل تأخذ أوقات الدواء من دقائقي، ناهيك عن صراخٍ قد يوقظني إذا ماخرجت هامة من بيتها ،أوعطش أحدهم أو ارتأى أن يملأ بطنه إذ وجد فيه مكاناً خالياً ولو ضئيلاً ، وعند الفجر يكون نسيمه أرق روحي، حيث أسرح عبر نافذة الرواق الذي يشرف على جُعلي، وأبحر مع تموجات النسيم العليل أو الهواء أو المطر، أو أي شئ يتحرك خارجه من مظاهر تقلبات الفصول، ولفصول حياتي الرتابة نفسها، لاتريد تغيير شكلها ، إنها هي ذاتها، منذ وطأت قدماي هذا المنزل الكبير، المليء بالتعب والانهاك.

نعم الانهاك هذا هو وصف حالي ،فأنا منهكة من الداخل والخارج، وكل شئ على عاتقي ، وهي منهكة من الفراغ والصخب ، صخب النميمة والمكائد والتلهي والسكون المميت بلا حركة، ولاحتى مجرد القدرة على محاولة الابتعاث .

أتمنى لو أقدر بوصفة سحرية على أن أستبدل الأماكن ، لوأتجرد عن وضعي وألتحق بالنوركالفراش، ماذا تعنيه هي ؟ ، ماذا تقدم ؟ هل ينال المرء التقدير لأنه وبفعل القدر والظروف ، قد لبس رداءً ليس له، واستعار وجهاً ألصقه بغباء على نفسه وقت الحاجة؟!.

الحاجة التي خلقت منها ومني ماانتهى إليه الحال ، وأنا وإن استطعت العطاء وأجدت التقديم ، سأظل أراوح مكاني كأمواج البحر ترتطم بالشاطئ، فترسب عنده محتواها، وتحتُّ الحاجز أمامها لتحمل الفتات مرة أخرى في جوفها وبامتدادي وانحساري أنا لاشئ ،مجرد زبد يذهب جُفاء .

إن جُفاءَ واقعي هو الذي يجعل عبء روحي أكبر من ذي قبل ،وحلمي كلما هبّ يوم ،أضحى أصغر مما مضى، وينذر بالتلاشي والعدم ، حتى أنه أضحت أعلى تطلعاتي، أن أختلس من الوجود وساعاته عشر دقائق فقط ، قد تهملني فيها وهي لم ترد، بل جاء ذاك الفراغ والنسيان عن غير قصد منها، أي صدفة .

أية صدفة هي التي ساقت حظّي، أم أنه القضاء والقدر ، لاأعرف أن أصوغ أطواق النجاة من هذه الأحجية الأزلية العجيبة .

غالباً ما أحاول أن … ياإلهي إنه ذاك الشبح الرمادي، يعود من جديد، صوتها لابد لي أن أُجيب ، ها أنا ذا قد أتيت سيدتي ، أيّةُ خدمة ؟ . . .

عليا عبد الرحمن حبّاب

7
Jan

أعمى بثلاث عيون

   بواسطة: رئيفة

أعمى بثلاث عيون

من الطبيعي امتلاك الإنسان لعينين في رأسه ،ولكن أن يكون له عين ثالثة فهذا امتياز من دون شك ، وقد حظيتُ بهذا الإمتياز أو الزيادة ، فكنت أحمل عيني الثالثة على كتفي وأجوب بها لأمضي في مرادي ، والمعضلة أن هذه العين الثالثة باتت محطّ الرؤية ،وكأنني لاأبصر إلاّ بها ، كانت تحدد لي الهدف وتنبهني إلى بؤرة الحدث ، وتظهر لي ما أريد، من دونها قد أرى الأشياء مغايرة ولكنها تبيّن لي الحقيقة ، كانت حبيبتي ورفيقتي وبصيرتي.

سافرت معها إلى مدن عدة ، ثم تطور الأمر فوصلت معها إلى دول أخرى مختلفة ، جُبنا معاً مطارح كثيرة ، وأكثر ماكان يشدني ، هو فن العمارة أحس وأنا أدقق الأماكن بعيني الثالثة ، الصادقة الفاحصة ، التي تسجّل بأمانة وحياد أنني قد دخلت إلى الروح البشرية ، وأتخيل من طريقة البناء والهندسة الفنية مشاهد عدة ، وحوارات نفسية قوية ،وأسمع موسيقا الأيدي المبدعة ، تتهادى في تناغم رخيم ، لتصوغ سقفاً ما أوتمثالاً يكاد يكلمني محدّثاً عن رؤيته وهو يعاصر الأزمنة بصمت .

لم تقتصر مشاهداتي على المظاهر البشرية من بناء ومعارض ، بل تعدت هذا إلى الطبيعة حيث كانت في بعض بقاع العالم ، تأسرني وتتركني في حيرة أمام إبداع الإله وحقيقته في خلقه ،التي تدل بوضوح على وجوده وعظمته.

هكذا كانت أيامي تمضي ، طيراً حراً ألتقط الجمال وأتذوقه برفاهية مترفة رغم أن أوروبة هي موطني ، إلاّ أن العالم كان بالنسبة لي ، يعدّ ملكية غريبة فلي الحق بأي حجر فيه ، وبجميع أركانه .

هناك كثيرون مثلي، ولكن اهتماماتنا كانت مختلفة ، منهم من يعنيه الحدث وآخرون البيئة ، بعضهم يتتبع التطور والأمور العلمية ، هناك من يهمة الآثار وباطن الأرض، تتراوح في مابيننا الأهواء ، وما يجمعنا هو الرؤية .

كنت أمتلك أرشيفاً رائعاً ، أسرتُ فيه جميع مشاهداتي القيّمة ،كان معرضاً فنياً حقيقياً يعدل روحي ، وأحرص على إغنائه دائماً ، لهذا يستفزني المكان فأطير إليه مهما بعدت المسافة، كنت في مكتب أحد زملائي المحببين إليّ، وكان من عشاق الحدث ، كنت أراه وهو دائم الانزعاج ، غريب طبعه ، يبحث عن الصدع والشقّ ليضع أُصبعه فيه ويصرخ ، هكذا كنت أراه ،مجرد غريب سألني وعينيه ترتجي الإجابة : ( أرجوك اذهب عوضاً عني ، افعل الأمر كخدمة لي ، ولك ما تريد ، أمي تحتضر ولايمكنني السفر ، ليس هناك أحد أفضل منك ، تمتلك بصيرة رائعة ، هلاّ سافرت ، أُناشدك القبول ؟ ! ) .

ولم أدري كيف قبلت ! ، فنوعية التغطية لاتستهويني ولا تروقني ، ومع ذلك وجدت نفسي على متن الطائرة التي حملتني إلى تلك الشاحنة الصغيرة ، والتي بدورها رمتني وعيني على كتفي عند ذلك المعبر ، تفرست في وجوه الأشخاص من حولي ، عيني دائماً لاتكذب ، أرتنيهم بشكل واضح ، كان الحزن يعصر الوجوه ، بشكل رمادي يعادل دماراً غريباً ،أذكر أنني رأيته في بقايا أعاصير مدونة بقوة في ذاكرتي .

ماهذا المكان ؟! جال بعينه متفحصاً ، المئات يتحركون أمامه ، ومايجمعهم تلك النظرة الغريبة، من هؤلاء الأشخاص ؟!، لم يصادف أن أبصرَ مثلهم في رحلاته ، ولارأى من يشبههم ولو في جمادات التماثيل التي سجلّها ، أو اللوحات التي علقت على جدران المعابد والكنائس والمتاحف.

تخطى الناس وهو متفحصاً لهم وللمكان ، وإذ به بزملاء مهنة مثله ، اقترب منهم وبادرهم من باب التعارف ، حتى يعلم ماذا سيفعل ؟! وكيف سيخطّ جدول تحركه ؟!. وماهي إلاّ ساعات حتى كان في الداخل ، وببساطة كان شبه مشدوه . كأنه تحول لتمثال متحرك ، يخترق بالسيارة ، تلك الشوارع وعينه تكاد لاتصدق ماترى !.

أين دخل ؟! ماهذه الأحياء ؟! ، هل هو على نفس الكوكب؟!.

كان قد رأى في حياته مشاهداً كثيرةً ، وصوراً عديدةً ، لكنها لاتشبه هذا الواقع ، دخلت السيارة حيّاً غريباً ، متفرعاً متداخلاً ، وأقسم بينه وبين نفسه أنه لايعرف الخروج منه لوحده إلاّ بخارطة.

وترجل منها أمام أحد المنازل ، وضع عينه التي اعتاد الرؤية بها ، وأخذ يسجل مايرى ، الباب يشبه أي شئ إلاّ باب المنازل ، والمنزل هو أي شئ إلاّ مسمى المنزل ، إنه مختصر بغرفة واحدة واسعة ،قسم منها مغطى بالفُرُش والملاءات المهترئة ، وخزانة كبيرة مضعضعة تسد الحائط الأول ، ونافذة كبيرة تطل على المنازل المقابلة ،تتوسط الحائط الثاني ، وسجادة بلا خيوط متآكلة خشنة البلاط أشد نعومة منها ، وبعض الاسفنج والوسائد يشكل على الحائط الثالث أريكة طويلة أرضية ، كراسٍ خشبية متداعية، وأجساد تجلس عليها ، أكثر تداعياً ولكنها تبدي التماسك.

ركضتْ منه الدقائق تتبعها الساعات ، وما شعر بها، كان الحديث يأخذه من زمن إلى آخر، ومن معاناة إلى معاناة أقسى ، واختصر الشرح ستين شتاءً قاسياً عاشوه، يسقط شهداؤهم على الأرض كالياسمين ومازال عبقهم في داخلهم، وكل ما بقي معهم ، وهم يشرحون له ،والدموع تنساب بقهر وألم من العيون ، مجرد مفتاحٍ حديديٍ طويلٍ صدئ ، لبابٍ في ذاكرة مايزال يفتح أملهم بالعودة يوماً.

وجسراًً بين حاضرهم والباب، صنعته أشلاء أجسادٍ وبقايا عيون ،كانت تنظر إلى المستقبل بحب ، وتحمل في دموعها قصة شتاتٍ وغربة .

لم يستطيع النوم ليلتها ، فغارة الحقائق من جهة ،وغارة القصف الغاشم من جهةٍ أخرى تتجاذبه وتمزقه إلى أبعاض ،فكّر مسترسلاً حياتي ومشاهداتي السابقة تكورت في بعضٍ ودفن في غياهب اللامبالاة .

وطموح لمتابعة الحياة كان في البعض الآخر مسيّر في اللامدرك، وخارج دائرة الاهتمام ، وفي البعض الباقي حياة من حولي ومأساة المشاهد الحمراء وغطت على الإدراك والشعور.

حتى الثوابت كانت ترتجف مع كل دويٍّ يصمُّ على أثر قصف ليليٍّ أبله مجنون والمفردات أيضاً توقفتُ أمامها حائراً ، الإنسانية ، الحق ، العدل ، الجريمة المجتمع الدولي ، المنظمات ، العالم ، الحضارات؟!!! مامعنى كل هذه المفردات هنا ؟! ليس لها وجود ولامعنى !، إنها عبث وخيالات.

الحقيقة الوحيدة هنا هي الموت أو البقاء و النضال والمقاومة ،الخبزوالضوء، وما يحزّم هذه الحقيقة هي الإرادة، وفجأة أحسستُ بالكون ينقسم إلى شطرين غير متساويين ،جلّه أبيض باهت باستثناء بؤرة صغيرة بلونيها الأسود والأحمر ، صبغتْ مفاهيمي وقلبي .

عندما أشرقت الشمس فرحتُ لأنها ماتزال حقيقة أراها ، خرجت أحملُ عيني على كتفي ، تاركاً ورائي الكرم بعينه والحب والعطف متجسداً بتلك العائلة أخرجت من جيبي عندما لمحت محلاً ، بضع أوراق مالية ، لأشتري شيئاً أشربه وللمرة الأولى أمعنت النظر بتلك الأوراق ، ماقيمتها ماذا تعني ؟!، ولكن هنا قد تعني حياةً قبل موت ، قد يأتي من طعامٍ أو من دمِ متبرعٍ، يُنقذ قبل فوات الأوان ، كرهت نفسي ، كرهت العالم الأخرس،وكرهت أرشيفي الذي يذكرني بأنني كنت أعمى ، ولكن أبداً لن أظلَّ أعمى ،تذكرت زميلي وسبب قدومي فلم أعد أجده غريباً، بل أنا من كنت غريباً.

تحركت قدماي تسيّرها عيني الزيادة ، شكرت الله أنني هنا ، وأخذت أجوب الحارات ، أركض معهم ، أصرخ لهم ، أسجل لحظات خروج أرواحهم بخشوع ، أجوب المشافي وألتقط الدموع ،وأتمنى لو أرجعها إلى المآقي ، ثم أخرج لأُقبِل على الدُور من جديد ،وألتقط همسات الدعاء عبر حروف الأطفال في صلاة عظيمة لله ، أسجل بعيني سيمفونية القداسة والطهر الملائكي وهي تعرج نحو السماء ، كنت كالذي أبصر النور بعد طول ظلام ، حياتي أمامي باهتةُ المعالم، ووجودي فقد بريقه ، وعيوني الثلاث وحدها تعمل وتذكرت أنني زرت مرةً مدينةً كتب على مدخلها ابتسم فأنت على مشارف كذا ؟…

فجلست على الأرض ،ورأسي منحنٍ، والناس يتراكضون من حولي ، في سباق البقاء المحموم ، قربت وجهي من الأرض ، شممت رائحتها، ثم فكرت نعم إنها تستحق ، إنها تستحق ، بكيت من قلبي ، والدموع تحرق وجهي وتطبع عليه اعتذاري ،وحبي العميق إلى الملائكة البشريين من حولي ، ثم تناولت قلمي من جيبي ، ووجدت نفسي أكتب عبارةً على حائطٍ مهدمٍ أمامي

(ياأيها العالم الأعمى تبصّر) ،ويا أيها الزائر ( ابكي فأنت فـي غـزة )…

عليا عبد الرحمن حبّاب

6
Jan

1+1=2 واحد + وحدة = 0

   بواسطة: رئيفة

1+1=2 واحد + وحدة = 0


دخلت إلى القاعة بخطىً مترددة ، وجالت بعينيها في أرجاء المكان ، كانت تصلّي في قلبها ويدها ترتجف داخل جيب معطفها ، أخرجتها بتوتر وعدلت من الشال الذي لف كتفيها وأخرجت خصلات من شعرها مختبئة بعبث تحت الدثار،كأنها تقول لصاحبتها ، أنا أيضاً أشاطرك المشاعر .

بحثت عنه ، هو فقط محطّ نظرها وقلبها ، لاتريد أن يظهر عليها توقها لرؤيته ، ومع ذلك سمحت لعينيها أن تتحركان في جميع الاتجاهات ، كالصياد يبحث عن مبتغاه تحركت قدماها بآلية رتيبة قاطعةً السجاد الذي توسط المساحة ، ولم تتنبه إلى الشريط الكهربائي الممتد من القابس إلى إحدى آلات التصوير المحمولة ، تعثرت وكادت تهوي لولا أن احتضنتها يدان قويتان ، رفعت رأسها ونظرت في محيط المكان كانت خائفة من أن يراها أثناء حرجها ، وتمنت أن يكون مشغولاً بالحديث ، فلا يلحظ ماحدث معها ، تريده أن يتفاجأ حين يراها ، لا أن يرى تأثرها واضطرابها الذي ظهر واضحاً في تعثرها .

ولشدة ارتباكها لم تشكر صاحب اليدين ، فاستدركت ملتفتة : “شكراً” ووقفت الكلمات في حلقها ، إنه هو ، ياالله!، لماذا على الصدف أن تكون شديدة الروعة أو شديدة البشاعة ؟، ولماذا معها تكون من الصنف الثاني دائماً ؟، حظّها العاثر ، لا المسألة ليست حظّاً بل إنه خطؤُها ، كان عليها أن تخفف من قلقها ، وتتنبه إلى الحضور أكثر ، وتراه وهو يسير إلى جوارها ، لا أن تنشغل عن هذا بأفكارها الداخلية .

لقد خططت لأدقّ شيء تقريباً ، ولكن هذا دأبها دائماً، الفشل عندما تنضج الأمور ! منذ أن علمت بالحفل قبل شهر ، كانت تستعد للقائه ، رتبت الأشياء كي تبدو طبيعية والبارحة لم يسايرها النوم وينتقيها، بل جافاها وتركها لتمارس في عقلها إبداع ملايين

الصور والمواقف معه ، وأجرت في ذهنها أكثر من عشرين حواراً وكانت جميع الحوارات شيّقة وفي الصباح تعبت من كثرة المواد التي ألصقتها على وجهها ، كي تمحو من عليه آثار الليالي النهارية ، وطعم القهوة صبغ قلبها قبل فمها ، وعندما صففت شعرها ، كان الترقب والإنتظار يثخنان أجزائها بعشرات الطعنات ، وقبل الحفل كانت مستعدة لكن منهكة من الداخل ، هي تعلم عنه الكثير ولكنه لايعرفها ، تعرف ماذا يريد وماذا يحب ؟! ، وطوعت ظروفاً عدة وذللت الصعاب كي تسترعي انتباهه، ولكن الصدفة وخطأها كانا لها بالمرصاد ، نظرت في عينيه وهي تشكره وراقبت بلهفة شفتيه ، وهما تنفرجان عن طيف كلمة ،” العفو” .

ثم استدار مبتعداً ،أُحبطت ! وتلاشت الابتسامة من على فمها ، أحست برغبة في البكاء، ثم تمالكت نفسها ، أهذا كل شئ ؟!.

فقط “العفو” ، هذا تأثيرها الخارجي عليه ، كيف ستقتحم صدفته ، لقد ظهر الصقيع في بداية الربيع ، بل منذ الدقائق الأولى لحلمها الحزين ،وخسرت عدة نقاط في مستهل الجولة ، توترت أكثر ثم لاحقته بنظراتها، وهو يجلس على المائدة الثالثة ، وظهره للحائط وجنبه للنوافذ ، شغلت نفسها بالحضور وهي تركز عليه بين زوايا تلهّيها تطوقه تارة ، وتغدقه بالمشاعر عبر النظرات تارة أخرى .

ثم اخترقت المسافة وعبرت لطاولته ، اختلقت حديثاً مع إحداهن كانت إلى جواره الحديث انتهى، وهي مافتئت تحاول أن تقاطع نظراتها بعينيه ،كي تستطيع أن تجد الشجاعة في اختلاق بداية الحديث ،لكن عبث من دون فائدة ،كان ماحظيت به مجرّد نظرة عابرة ،أو صورة لنصف وجهه وهو يشيحه عنها ، مضى الوقت بسرعة انفض الحضور وهي تنتظر ، ودون سابق إنذار وقف مودعاً وسحب في يده فتاة ما،لم ينظر إليها ، وسار على عينها مستقبلاً الغياب ، وجلّ ماجنته كان الترقب ،ومنديلاً ممزقاً في يدها ،واحتراقاً في جفنها سببه دمعة ، أبت أن تخرج إلى العلن فظلّت تحرقها من الداخل .

(2)

كان يشعر بالملل والرتابة ، كل يوم يشبه سابقه ، على الأغلب كان ملله يشوبه التعب منذ يومين وهو عالق في دوامة العمل ، لايستريح إلاّ نادراً ، وهذا النهار بالذات كان ممتلئاً بالتعب كان يتمنى لو يستطيع التخلف عن الحفل ، ولكن رغباته لاتجد لها موطناً ،بدأ الحضور بالتوافد وهذا بشارة خير إذ أن الوقت شارف على الإنتهاء وجلّ استعداد النهار والعمل سينتهي قريباً .

وقف مع أصدقائه وتناول حديثهم أموراً عدة ، كان يصغي دونما اهتمام عندما رن هاتفه النقال جاءَهُ صوتها عبر الهاتف، ليدخل البهجة على ملله ،واعدها بعد الحفل لكنها أضافت بمداخلة أجمل : “سأمر لإصطحابك ونقضي السهرة في بيتي ، أعددت لك ياحبيبي، وهيأت ماتريد “، عندما سمع هذه الجملة ، ضاقت عيناه ببرود ، ثم ابتسم بفحولةٍ ابتسامة المتخم ، ابتسامة الفهد الذي شبع من لحوم الغزلان ،ولكن الأكل ضرورة دائمة ، وأجاب بخبث : ” لاتنسي الثلج كعادتك ” ضحكت وأغلق الهاتف ، وضعه في جيبه وعاد لزملائه يكمل مافاته من الحديث .ويراقب الوافدين بملل منتظراً انقضاء الوقت .

تنبّأ بالخطأ وهو ينظر إلى السيدة القادمة ، تبدو مرتبكة ولكن وضع هذا الشريط على الأرض غلطة غير مستدركة ، قد تسبب مشكلة ، ولم يكد يكمل الجملة في عقله، حتى رآها وهي تكاد تهوي على وجهها ، أسرع إليها كالنمر وحال بيديه القويتين دون وقوعها ، غريب هذا العطر إنه نفاذ وقوي ، اخترق حواسه ، إنه يشبه عطر خالته زبيده ، الذي تعبأه من محلات العطور الرخيصة ، أحس أنها أغرقت نفسها في العبوة وخرجت مهرولة إلى هذا الحفل ، ضحك بسره كم هو ذكي ، من استنشاقة واحدة عرف العطر ، ذاكرته قوية ، وشعرها أيضاً ، أفرغت عليه علبة مصفّف كاملة فامتزجت الروائح بغرابة ، أحس بالإشمئزاز ، ماذا يجول في ذهن المرأة حينما تفعل هذه الأمور؟!، شعرها برائحة وجسمها برائحة ،ولا يدري أيضاً ماذا تخبئ من وراء هذه

الروائح ، اعتدلت السيدة ولم تسقط ،سيخبر المسؤول عن التصوير ، أخذ يبحث عنه أين هو ؟ ولكن السيدة خاطبته شاكرة ، لايهم ، كاد الموقف أن يكون مضحكاً لولا تدخله ، ّ: العفو ” ردَّ عليها دون اهتمام وسار مبتعداً عنها ، كلّم المسؤول ليجدوا حلاً لشريط الكهرباء ،وتابع وقوفه مع زملائه ،ثمّ شرد،( هل ياترى سترتدي ثوب النوم نفسه ؟ ، إنه رائع، وعموماً هو الآن سعيد لأنها ماتزال تجّذبه ، لم يملّها كعادته ياترى كم سيبقى هذا الشعور في داخله؟!، لقد مضى على علاقته بها قرابة الشهرين لم يقترب من غيرها ، ثم تذكر اجتماع المدراء في فندق الوادي ، وتلك

الصبية المكتنـزة نعم لقد كانت ليلة جميلة!، لكن تلك الصبية كانت مبتدئة ، لم تسعده كثيراً أما هذه !. نعم في ماعدى تلك الليلة لم يرى فتاة غيرها) ، الحمد لله لم يبق على انتهاء الحفل إلاّ قليل من الوقت، وسيخرج من هذا المكان ، جلس على الطاولة التي يتصدرهاالمدير ،كان ظهره إلى الجدار، نظر إلى يساره نحوالنافذة، وهو يراقب الليل يمعن في السواد إنه تعب فعلاً ، ولكن بعد قليل عندما يجالسها، ويحتويه وجودها وثرثرتها الغريبة وحركاتها ، ستتغيّر سمة هذا النهار ليُختم ليله بعبقها .

فكر قليلاً ، لماذا لايأخذ إجازة ويسافر معها إلى البحر؟ ، يومان على الشاطئ كفيلان بأن يعدلوا من مزاجه، ويغيروا احساسه بالملل ، نظر إلى السيدة القادمة ، إنها تلك التي تشبه خالته زبيده لماذا تنظر إليه هكذا؟! ، لامستحيل إنها مملة ، هل تحاول أن تفتح معه حديثاً ما ؟، هل ستجعل من

تعثرها قصة هذا المساء ؟!، إنه يعلم نوعيتها خجلت وستداري خجلها بحديث سخيف يشبه شعرها ،عندما جلست إلى مائدته

استطاع أن يراها بوضوح وعلى مهل ، غريبة! لماذا تضّع كل هذه المساحيق على وجهها ؟!، لقد طلته بشكل غزير ، هل تحسب النساء أن هذا الفعل محبب إلى الرجال

لو أنني سأقبّلها ، فلن أجد أثراً لخدها على شفتي، بل سأصطدم بجدار العزل المنيع الذي ألصقته بإحكام، ثم ماهذا الكحل العجيب في عينها ؟!، من الداخل والخارج

ورموش تشبه أرجل النمل ، وهذا الشعر المسترسل ، المتلون ، لم أعد أرى شعراً طبيعياً بلون الحاجب ، ماهذا ؟! ، أشاح بوجهه ممتعضاً ، متى ستنتهي هذه السهرة اللعينة كلما حرك وجهه يجد تلك السيدة الزبيدة تنظرنحوه بغباء ، تمنى لو يصرخ عليها ويقول:” ليس مهماً ماحدث، الجميع في الدنيا يتعثرون ويقعون لست الوحيدة ، وما حصل لك ليس نهاية العالم”، تأفف ونظر إلى ساعته ،ثم خاطب السيد الجالس إلى جواره ، وأحضر إلى المدير ورقة مطبوعة من المكتب كان يريدها الأخير، ثم عاود الجلوس، وبعد قليل سمع صوتها وهي تقول له بغنج : “هلاّ ذهبنا أيها الوسيم”، ماأجملها مقارنةً بالسيدة الزبيدة هي ملكة الجمال !، المهم ستنتشله من هذه الحفلة تأبط ذراعها واقفاً ، وسار باتجاه الباب مودعاً الجميع ، لايعنيه شيء عداها، وهو سعيد لأنه برفقة هذه الغادة ، ماذا كان سيفعل ،لوكان سوء حظّه أوقدره، قد زرع بيده السيدة الزبيدة ؟!!

(3)

دخلت الفندق بدلال ، وهي تلهو بمفتاح السيارة في يدها ، وشعرها يتحرك مع جسدها على ضوء ابتسامتها ، كانت تنظر إلى جميع من يقابلها نظرات متكلفة فصيحة ، معبرة ، تقول بوضوح :( أنا هنا إنتبه)، وقفت تنتظر المصعد أمامها ، فرَّن هاتفها النقال :” مرحباً عزيزي ، لا أستطيع اليوم أن أراك ، أنا تعبة ، لا تتضايق أرجوك ، سأفرغ لك الغد بأكمله ، حياتي ، حتماً قبلاتي إلى اللقاء “، ثم وصلت إلى القاعة ، توقفت برهة ثم ابتسمت ودخلت بثقة ، لمحته يجلس على الطاولة الثالثة قرب الجدار ، غمزت بعينها له وعندما وصلت إليه ، كانت متأكدة أن الجميع يحسده على يديها وهي تطوق كتفيه ، لاتعلم لماذا هو بالذات ؟!، عموماً هو جميل ويجذبها وهو كريم ووسيم أيضاً، شكرت نفسها على أنها ماتزال تتحمله ، ستبقى معه إلى أن يشعرها بالملل ، وهو مفيد في أوقات الفراغ ، عندما يطلبها السيد عادةً ما تتفرغ له وتسافر معه، وعند عودتها تقضي وقتها مع أحد ما ، غطت أفكارها بأروع ابتسامة عندها، واقتربت من أذنه لتهمس بدلع : ” هلاّ ذهبنا أيها الوسيم ” ، تعلقت به مغادرةً الحفل ، وفي المصعد قال لها : “ماذا أعددت لي ياحلوتي ؟، اليوم أنا تعب، وأعاني من حالة ملل”، ضحكت وأصابعها تعبث بوجنته قائلةً:” سترى” ،نظرت إليه وهي تضمر بدهاء ، (بل أنا التي ستصيبها بحالة ملل مبكرة أيها المسكين الوسيم )….

عليا عبد الرحمن حبّاب