الغربة والاستشراق
الغربة والاستشراق
هل تشعر الحيتان بغربة؟
كل مياه المحيطات لها وطن إلا أني أظنها تتغرب إن دخلت إلى احدى البحار الصغيرة فتعلق على شاطئه وتموت غريبة ووحيدة ومنفية.
أيعني أن الغرب بالنسبة للشرقي الناطق بالضاد هو بحر صغير جاف يحوي المال, الحرية, الأمن والاطمئنان هل كان الغرب ملاذاً لجبران خليل جبران أم أنه أهون الأمرّين.
التغريبة تنطق بالضاد فقط والتغريبة غالباً ما تكون إجبارية. الغربة هو شعور يلازم الشرقيين فلم أسمع قبلاً عن غربي عانى التشريق بيد أن الغربيين والأوربيين يستمتعون بالاستشراق ويفاخرون به.
الانتماء الى الوطن والتعلق بالتاريخ والجذور والتراب والأحبة هو ما يؤسس قاعدة الغربة؟ أم أن المناخ السائد والذاكرة المتشحة بالحنين المتوارثة عبر أجيال عتّقها الاحتلال والغزو المستمر حتى بات الاستقرار في نفس المكان مواويل تغنى والبعد عنها وجع و ألم وكربة وخوف؟!
لم نتغرب إذاً؟؟!! ألأننا فقدنا ثقتنا بأنفسنا فقبلنا مسح البلاط في الغرب على البقاء هنا. أم لأن أي عمل مذل أو غير مذل بالغرب يحقق جزء من إنسانية مفقودة في عالم شرقي حلم بالكمال.
حلم كل غربي أن يأتي للشرق ولو لمرة في حياته فيتعلم الحب بكافة أشكاله, يتعلم الدفء, التكاتف والتكافل الاجتماعي, الأهم منه يستقي من الشرقيين تاريخاً متأصلاً وحضارة لا تبيد كم افتقر الغرب يوماً إلى الأصول والى التحضر الانساني.
نطارد في الغربة أحلامنا كالسراب لأن “مزمار الحي لا يطرب”. نبحث في الغرب عن حلم فقدناه انتقل إليهم خلسة أو سرقة أو تغرّبت الأحلام عنا وهجرتنا فجرينا خلفها الى الغرب أو غيره لا يهم إننا نطارد إنسانيتنا المفقودة عبر عصور من الحزن والتشريق.
الشرق حبيبي ولا يغريني من الغرب إلا تطور فكري كان يوماً لنا ولا بد تدور العجلة ويعود الذين تغربوا ويستشرق من الغرب الكثيرين ولكن لست أدري إن كانوا سيشعرون بألم الاستشراق بالقدر الذي نعانيه من التغرب.
تبقى بلادي أماً رؤوماً وملاذاً آمناً وصدراً حنوناً، دافئاً… نعود إليه عند أول أزمة والبعد عنها اختناق. الأزمة المالية العالمية أعادت الكثيرين الى دفء وطنهم فهل سيهجروها مرة أخرى عندما تستقر أحوال الغرب؟
دعونا نتمسك بالذين لم يتغربوا ونتمسك بالذين عادوا وننادي على من بقي هناك, مكانهم هنا ومسقط رأسهم هنا ونخلّص الغربة من لغة الضاد دعونا نخلصهم من ندم العودة.
قالوا: “مرجوعك لبلدك يا ابني رح تبقى برا غريب”
رئيفة المصري




رئيفة المصري